خطة ترامب للسلام في غزة.. اتفاق تاريخي أم مواجهة جديدة بين إسرائيل وحماس؟
خطة ترامب للسلام في غزة.. اتفاق تاريخي أم مواجهة جديدة بين إسرائيل وحماس؟
وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاتفاق الجديد بشأن غزة بأنه اختراق تاريخي، لكن التطورات منذ الإعلان عنه الأسبوع الماضي تشير حتى الآن إلى أن الخطة التي تهدف إلى إنهاء القتال وتخفيف الأزمة الإنسانية المتفاقمة في القطاع لم تؤدِ سوى إلى جولة جديدة من المواجهات السياسية بين الأطراف الرئيسية في الصراع.
وبحسب شبكة "دويتش فيله" الألمانية، رغم حالة الجمود الحالية، يرى خبراء أن الاتفاق الجديد يختلف عن الترتيبات السابقة التي فشلت في إنهاء الحرب، مشيرين إلى وجود عوامل قد تمنحه فرصًا أكبر للنجاح، من بينها أنه أكثر تفصيلًا ووضوحًا، إضافة إلى مؤشرات على استعداد ترامب لممارسة ضغوط أكبر على إسرائيل لقبول الخطة، فضلًا عن موافقة حركة حماس هذا الشهر على نزع سلاحها بعد سنوات من رفض هذا المبدأ.
وتأتي هذه التطورات بعد الحرب التي اندلعت عقب هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، والذي أسفر عن مقتل أكثر من ألف شخص وأطلق شرارة حملة عسكرية إسرائيلية واسعة في قطاع غزة استمرت لما يقرب من ثلاث سنوات.
ومنذ بداية العمليات العسكرية الإسرائيلية، قُتل أكثر من 73 ألف فلسطيني في غزة وفق تقارير مختلفة، ما دفع لجنة تحقيق مستقلة تابعة للأمم المتحدة إلى تصنيف السلوك الإسرائيلي بأنه يرقى إلى الإبادة الجماعية.
نزع سلاح حماس وانسحاب إسرائيل
كان ترتيب الخطوات يمثل أحد أكبر العوائق أمام أي خطة سلام في غزة، إذ أصرت إسرائيل على أن تقوم حماس بتسليم أسلحتها قبل انسحاب الجيش الإسرائيلي من القطاع، بينما كانت الحركة ترفض التخلي عن سلاحها قبل انسحاب القوات الإسرائيلية.
وأدى هذا الخلاف إلى حالة مستمرة من الجمود، حيث تمسك كل طرف بشروطه خلال المفاوضات السابقة.
لكن في بداية يوليو، وافقت حماس على نقل إدارة قطاع غزة إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهي هيئة تضم شخصيات تكنوقراطية مستقلة مكلفة بإدارة القطاع.
وفي وقت لاحق من الشهر نفسه، وافقت الحركة أيضًا على تسليم أسلحتها إلى هذه اللجنة، في تحول وصفه مراقبون بأنه تغيير كبير في موقف الحركة.
لماذا وافقت حماس على نزع السلاح؟
قال محمد شحادة، الباحث الزائر في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، وهو من سكان غزة،: إن موافقة حماس على نزع سلاحها بعد سنوات من تبني خيار المقاومة المسلحة يجب التعامل معها بجدية.
وأوضح، أن الحركة تعرضت لضغوط من وسطاء دوليين، خاصة مصر وقطر، مشيرًا إلى أن القرار قد يكون أيضًا محاولة سياسية لإظهار أن إسرائيل هي الطرف الذي يعرقل تحقيق أي تقدم في غزة خلال حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
لكن شحادة أكد أن حماس لم تكن لتقدم مثل هذا التنازل الكبير والتاريخي إلا بعد وصولها إلى مرحلة شعرت فيها بأن خياراتها أصبحت محدودة للغاية، وأن هذا المسار يمثل الطريق الوحيد المتاح أمامها.
وأضاف، أنه في حال وافقت إسرائيل على الخطة الجديدة، فلن يكون أمام حماس مجال للتراجع عن التزاماتها، لأن خرق ترتيبات نزع السلاح سيمنح إسرائيل مبررًا لاستئناف العمليات العسكرية في غزة، كما سيؤدي إلى انهيار اتفاق ترامب وتحميل الحركة مسؤولية ذلك أمام الفلسطينيين.
وفي المقابل، يرى شحادة أن حماس تدرك على الأرجح أن إسرائيل قد لا توافق على الاتفاق، ولذلك لا تخشى أن يتم تنفيذ عملية نزع السلاح بشكل فوري.
المشكلة السياسية لنتنياهو أمام خطة السلام
أبدت إسرائيل اعتراضها على الاتفاق الجديد المؤلف من 15 بندًا منذ اللحظات الأولى للإعلان عنه.
وقال متحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي لوكالة فرانس برس: إن النسخة التي تم نشرها لا تعكس المواقف الإسرائيلية.
كما رفض وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير الاتفاق، واعتبره غير مقبول، مطالبًا باستمرار عمليات الاغتيال في غزة.
ويرى خبراء، أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يواجه معضلة سياسية كبيرة، خاصة مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر المقبل، إذ إن تقديم أي تنازلات بشأن غزة قد يؤدي إلى غضب شعبي وفقدان دعم شركائه من اليمين المتطرف.
وقال آرون ديفيد ميلر، الباحث البارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي: إن نتنياهو يواجه انتخابات حاسمة خلال أقل من 90 يومًا، مشيرًا إلى أنه قد يكون قادرًا على إبداء بعض المرونة في ملفات مثل لبنان أو إيران، لكنه لا يستطيع الظهور بمظهر المتساهل تجاه حركة حماس.
وأضاف: أن تداعيات هجوم 7 أكتوبر لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على إسرائيل، وستظل كذلك لفترة طويلة.
من جانبه، قال محمد شحادة: إن نتنياهو سيحاول عرقلة أي اتفاق سلام في غزة حتى موعد الانتخابات، لأن الموافقة عليه قد تكون بمثابة انتحار سياسي بالنسبة له.
تغيير في آلية تنفيذ الاتفاق بعد اعتراضات إسرائيلية
وبعد اجتماع عقد الاثنين بين نتنياهو ومجلس السلام بقيادة الولايات المتحدة، تم الإعلان عن تعديل في آلية تنفيذ الخطة، بحيث لم يعد نزع سلاح حماس وانسحاب إسرائيل من غزة يجريان على مراحل كما كان منصوصًا عليه في الخطة الأولى.
وكانت الخطة الأصلية تعتمد على التقدم التدريجي، بما يسمح لكل طرف ببناء الثقة خلال مراحل التنفيذ.
لكن بعد الاعتراضات الإسرائيلية، بدا أن الخطة عادت إلى صيغة أكثر تشددًا، بحيث لن تنسحب إسرائيل إلا بعد نزع سلاح حماس بالكامل.
هل يستطيع ترامب الضغط على إسرائيل؟
يرى خبراء، أن الوسيلة الوحيدة لتغيير الموقف الإسرائيلي تتمثل في ممارسة الولايات المتحدة ضغوطًا مباشرة على حكومة نتنياهو.
وقال آلان بينو، الباحث البارز في برامج الشرق الأوسط بالمجلس الأطلسي: إن إسرائيل ستتعرض لضغوط هائلة من ترامب للانضمام إلى الاتفاق، أو المخاطرة بإثارة غضبه عبر إفشال ما يصفه بأنه نجاح تاريخي.
وأشار خبراء إلى وجود بعض المؤشرات على استعداد ترامب للضغط على إسرائيل، من بينها أن الرئيس الأميركي طرح خطة النقاط الـ15 دون عرضها مسبقًا على الحكومة الإسرائيلية، وفق تقارير إعلامية.
كما نقل مسؤول أميركي رفيع خلال إحاطة للصحفيين، أن ترامب سيكون محبطًا للغاية إذا لم توافق إسرائيل على الخطة الجديدة.
وقال آرون ديفيد ميلر: إن ترامب اتخذ مواقف تجاه إسرائيل ورئيس وزرائها لم يقدم عليها أي رئيس أميركي سابق، مشيرًا إلى أن أحدًا لم يتحدث مع نتنياهو بالطريقة التي تحدث بها ترامب، كما أن أي رئيس أميركي سابق لم يفتح حوارًا مباشرًا مع حماس دون التنسيق مع إسرائيل.
وأضاف، أن هذه التصرفات غير مسبوقة، لكنه شكك في استعداد ترامب للذهاب إلى حد فرض تكاليف كبيرة وحقيقية على العلاقة الأميركية الإسرائيلية.
وأوضح، أن هذه الإجراءات قد تشمل تقليص أو تعليق بعض المساعدات الأميركية، أو تقييد التعاون الاستخباراتي، أو عدم الدفاع عن إسرائيل في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، لكن أيًا من هذه الخطوات لم يحدث حتى الآن.
ترامب بين صفقة غزة وحرب إيران
وأشار ميلر إلى أن الوقوف في مواجهة ترامب بشأن قضية يعتبرها مهمة جدًا يمثل موقفًا خطيرًا، متسائلًا عن الأمر الذي قد يدفع الرئيس الأميركي إلى ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل.
وأوضح، أن أحد الاحتمالات قد يكون تحقيق تقدم كبير في العلاقات بين إسرائيل والسعودية، إذا كان اتفاق غزة يمثل خطوة نحو اختراق إقليمي واسع.
لكن ميلر خلص إلى أن الواقع الحالي بعيد جدًا عن هذا السيناريو، ما يجعل من غير المرجح أن يتجاوز ترامب حدود التصريحات والضغوط السياسية.
وأضاف أن الرئيس الأميركي قد يكون أكثر اهتمامًا باستخدام نفوذه في ملف غزة من أجل الخروج من تداعيات الحرب مع إيران، بدلًا من الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل حول تنفيذ الاتفاق.

العرب مباشر
الكلمات