تقرير أمريكي: إسرائيل تُضعف الدولة اللبنانية ثم تُطالبها بمواجهة حزب الله

تقرير أمريكي: إسرائيل تُضعف الدولة اللبنانية ثم تُطالبها بمواجهة حزب الله

تقرير أمريكي: إسرائيل تُضعف الدولة اللبنانية ثم تُطالبها بمواجهة حزب الله
قصف لبنان

أكدت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، أن هناك مفارقة أساسية تحكم السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان، تقوم على مطالبة تل أبيب للدولة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله وفرض سيادتها الكاملة على أراضيها، بينما تعمل في الوقت نفسه على إضعاف المؤسسات اللبنانية التي يمكن أن تنفذ هذا الهدف، سواء عبر عرقلة الدعم العسكري الأمريكي للجيش اللبناني أو استهداف البنية التحتية ومؤسسات الحكم أو تقليص دور قوات الأمم المتحدة العاملة في الجنوب اللبناني.


ويشير التقرير إلى أن إسرائيل، بعد مساهمتها في خلق ظروف ضعف الدولة اللبنانية، تعود لتقول إن بيروت غير قادرة على التعامل مع حزب الله، وبالتالي فإن إسرائيل مضطرة للتدخل بنفسها، وهو ما يخلق سياسة متناقضة تطالب بنتيجة قوية فيما تعطل الأداة الوحيدة القادرة على تحقيقها.

حزب الله وأولوية إسرائيل الاستراتيجية


ويرى التقرير أن الهدف الإسرائيلي المتمثل في إضعاف حزب الله ليس غير مشروع من منظور الأمن القومي الإسرائيلي، مشيرًا إلى أنه لو كانت دولة مجاورة للولايات المتحدة تؤوي تنظيماً مسلحًا مدعومًا من قوة خارجية ويهدد الأمريكيين، فإن واشنطن بدورها لن تعطي أولوية كبيرة لسيادة تلك الدولة وستسعى للقضاء على التهديد.


ويعتبر التقرير أن هذا يشبه إلى حد كبير نظرة إسرائيل إلى حزب الله، خصوصًا بعد هجمات السابع من أكتوبر 2023 وما تبعها من دعم قدمه الحزب لحركة حماس عبر فتح جبهة الجنوب اللبناني.


وخلال الأسابيع الأولى بعد اندلاع الحرب، استخدم حزب الله الصواريخ وقذائف الهاون والطائرات المسيّرة والصواريخ المضادة للدروع والقنص واستهداف أنظمة المراقبة الإسرائيلية، فيما بقيت المواجهات محصورة نسبياً بالقرب من الحدود.


وأدى التصعيد إلى إخلاء عدد كبير من المستوطنات الإسرائيلية الشمالية، بينما غادر مدنيون لبنانيون قرى الجنوب الحدودية.
وفي أول خطاب بارز له بعد أحداث أكتوبر، قال الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله إن عملية حماس فلسطينية بالكامل، لكنه أشار إلى أن جبهة حزب الله ستستمر وقد تتصاعد تبعاً لتطورات غزة والتحركات الإسرائيلية ضد لبنان.

إيران وحزب الله


ويصف التقرير حزب الله بأنه ليس مجرد ميليشيا لبنانية، بل يمثل حجر الأساس في منظومة الردع الإيرانية ضد إسرائيل، حيث تدعمه طهران بهدف إبقاء المدن الإسرائيلية تحت تهديد دائم وتعقيد أي هجوم محتمل على المنشآت النووية الإيرانية.


ولهذا السبب، فإن تفكيك حزب الله يمثل أولوية استراتيجية إسرائيلية منذ سنوات، بينما جاءت أحداث أكتوبر كعامل تسريع وليس كسبب أساسي.


لكن التقرير يطرح تساؤلًا مهمًا حول قدرة إسرائيل على تحقيق هذا الهدف، مشيرًا إلى أن محاولات مشابهة قبل عامين ألحقت أضرارًا بالحزب لكنها لم تنجح في القضاء عليه، حيث تمكن لاحقاً من إعادة بناء قدراته.

هدوء ما قبل الحرب


ويستعرض التقرير الوضع على الحدود اللبنانية الإسرائيلية منذ نهاية حرب 2006 وحتى السابع من أكتوبر، موضحًا أن الحدود كانت هادئة نسبيًا مقارنة بمعايير المنطقة، رغم استمرار العداء البنيوي بين الطرفين.


ويشير إلى أن إسرائيل لم تكن تتجاهل خطر حزب الله، لكنها قبلت بوجود قوة الردع الإيرانية طالما بقيت غير مفعلة، في وقت كانت تستعد فيه استخباراتيًا وعسكريًا للحظة المواجهة.


ويقول التقرير إن اختراق شبكات اتصالات حزب الله ورصد الأنفاق وإعداد بنك أهداف القادة وتجهيز عمليات أجهزة النداء المفخخة استغرق سنوات طويلة من العمل.


ويفهم من ذلك أن إسرائيل كانت تعتقد منذ فترة طويلة أنها قادرة على توجيه ضربات مؤلمة للحزب بكلفة مقبولة، لكنها فضلت الحفاظ على الاستقرار الحدودي طالما أنه يخدم مصالحها.

شروط نزع السلاح


ويرى التقرير أن نجاح أي عملية لنزع سلاح جماعة مسلحة يتطلب توافر ثلاثة شروط رئيسية، وهي امتلاك الدولة للشرعية الكافية لفرض هذا المطلب، والقدرة العسكرية اللازمة لتنفيذه، والسلطة السياسية القادرة على احتواء ردود الفعل.


ويستشهد التقرير بتجارب دولية مثل الجيش الجمهوري الإيرلندي في أيرلندا الشمالية، وقوات فارك في كولومبيا، والانفصاليين في إقليم آتشيه الإندونيسي، حيث نجحت عمليات نزع السلاح ضمن تسويات سياسية شاملة مدعومة بآليات مراقبة وضمانات دولية.


ويؤكد التقرير أن غياب أي من هذه العناصر يؤدي إلى انهيار مشروع السلام.

ضعف الدولة اللبنانية


ويشير التقرير إلى أن الحكومة اللبنانية كانت تعاني بالفعل من الانقسام والانهيار المالي وفقدان الثقة الشعبية، خاصة بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020 وسنوات من الفساد والأزمات الاقتصادية.

وانخفضت ميزانية الدفاع اللبنانية من نحو ملياري دولار في 2019 إلى حوالي 432 مليون دولار في 2020 بعد الأزمة المالية، قبل أن تتراجع إلى نحو 240 مليون دولار بحلول 2023.

أما الجيش اللبناني، الذي يضم نحو 80 ألف عنصر على الورق، فيعاني من ضعف الرواتب والاعتماد على المساعدات الخارجية لتأمين المعدات الأساسية.

ويشير التقرير إلى أن الجيش اللبناني جاء في مرتبة متأخرة عالمياً مقارنة بتنظيم حزب الله الذي يمتلك ترسانة من الصواريخ الدقيقة تفوق ما لدى بعض أعضاء حلف شمال الأطلسي في أوروبا.

 

إضعاف قوات اليونيفيل

كما يتهم التقرير إسرائيل بإضعاف قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان يونيفيل، والتي تضم نحو 8 آلاف عنصر ومكلفة بمساعدة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها في الجنوب.

وأشار إلى أن القوات الإسرائيلية استهدفت مواقع تابعة ليونيفيل خلال حملة 2024، كما ضغطت لتقليص صلاحيات القوة الدولية بدعم أمريكي.

 

خطة أمريكية لنزع سلاح حزب الله

ويقول التقرير إن مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، توم باراك، بدا مدركًا لطبيعة الأزمة، بعدما دعم خطة تدريجية لنزع سلاح حزب الله بحلول نهاية 2025 مقابل وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية وانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان.

وأضاف أن الخطة الأمريكية ربطت بين تحرك لبنان لنزع سلاح الحزب وبين الانسحاب الإسرائيلي ووقف الضربات، باعتبار أن أي مواجهة مباشرة وسريعة مع حزب الله قد تؤدي إلى انهيار داخلي لبناني.

لكن التقرير يرى أن هذه المقاربة تراجعت لاحقًا بعد مفاوضات الملف النووي الإيراني والحرب التي خاضها ترامب، حيث بدا أن استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان كان جزءًا من التفاهمات السياسية.