الإيرانيون يترقبون ثمار الاتفاق مع واشنطن وسط أزمة معيشية خانقة

الإيرانيون يترقبون ثمار الاتفاق مع واشنطن وسط أزمة معيشية خانقة

الإيرانيون يترقبون ثمار الاتفاق مع واشنطن وسط أزمة معيشية خانقة
ايران

أثار تراجع التوتر بين إيران والولايات المتحدة موجة من الآمال داخل الأوساط الشعبية الإيرانية بإمكانية تحسن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، إلا أن كثيرًا من المواطنين يؤكدون أن أي نجاح دبلوماسي لن يُقاس بالاتفاقات السياسية وحدها، بل بمدى انعكاسه على حياتهم اليومية وقدرتهم على مواجهة أعباء المعيشة المتزايدة، بحسب ما نشرته شبكة "إيران إنترناشونال".


وتواجه السلطات الإيرانية حاليًا ضغوطًا متزايدة لتلبية توقعات الشارع، الذي ينتظر أن تتحول أي انفراجة سياسية إلى مكاسب اقتصادية ملموسة، سواء من خلال تخفيف العقوبات أو الإفراج عن الأصول والأموال المجمدة في الخارج، بما يساهم في تخفيف الضغوط المالية وتحسين مستوى المعيشة.


ورغم هذه التطلعات، يحذر خبراء الاقتصاد من أن أي آثار إيجابية محتملة لن تظهر بصورة فورية، حتى في حال رفع القيود الاقتصادية أو تخفيف العقوبات المفروضة على البلاد.

غموض يحيط بالمكاسب الاقتصادية المتوقعة


وتزداد حالة الترقب بسبب عدم وضوح العديد من البنود الاقتصادية الواردة في مذكرة التفاهم الأخيرة، خصوصًا فيما يتعلق بموعد وحجم تخفيف العقوبات أو آليات الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.


ويثير هذا الغموض تساؤلات واسعة لدى المواطنين حول حجم الفوائد الحقيقية التي يمكن أن يجنيها الاقتصاد الإيراني من الاتفاق، ومدى قدرة الحكومة على ترجمة التفاهمات السياسية إلى نتائج اقتصادية مباشرة.

60% من الإيرانيين لا يحتملون الضغوط


وكشفت نتائج استطلاع حديث أشار إليه نائب وزير الداخلية الإيراني محمد بطحائي خلال مؤتمر صحفي هذا الأسبوع، أن نحو 60% من المشاركين أكدوا أنهم لم يعودوا قادرين على تحمل مزيد من الضغوط الاقتصادية.


وتعكس هذه الأرقام حجم التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها الحكومة الإيرانية، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.


ويرى الخبير الاقتصادي خليل جنامي أن النجاح الحقيقي للدبلوماسية لا يكتمل إلا عندما يلمس المواطنون نتائجه بشكل مباشر في مستوى معيشتهم وفرص العمل المتاحة لهم ونوعية حياتهم اليومية.

الحكومة تحذر من توقع نتائج سريعة


من جانبه، حذر وزير الاقتصاد الإيراني علي مدني زاده من المبالغة في توقع عودة الاقتصاد الإيراني إلى وضعه الطبيعي فور التوصل إلى تفاهمات مع الولايات المتحدة.


وأوضح أن البلاد كانت تعاني بالفعل من عجز في الموازنة العامة يقدر بمئات التريليونات من التومانات قبل اندلاع الحرب، مؤكدًا أن الأوضاع المالية أصبحت أكثر صعوبة خلال الفترة الأخيرة.


وأشار الوزير إلى أن الحكومة اضطرت بعد انتهاء الصراع إلى الاقتراض من البنك المركزي بقيمة 100 تريليون تومان، متوقعًا أن تظهر الآثار التضخمية لهذه الخطوة خلال الأشهر المقبلة.

أزمات هيكلية تتجاوز الاتفاقات السياسية


ويؤكد محللون اقتصاديون أن التحديات التي تواجه الاقتصاد الإيراني، وعلى رأسها التضخم المرتفع والبطالة المزمنة وحالة الركود الممتدة منذ سنوات، تمثل مشكلات هيكلية عميقة لا يمكن حلها بسرعة عبر اتفاق سياسي فقط.


ويرى هؤلاء أن الإصلاحات الاقتصادية الداخلية ستكون عاملًا أساسيًا في تحديد قدرة البلاد على الاستفادة من أي انفراج دبلوماسي.

العمال يدفعون الثمن الأكبر


كان العمال من أكثر الفئات تضررًا من الأزمة الاقتصادية المستمرة في إيران، حيث فشلت زيادات الأجور خلال السنوات الأخيرة في مواكبة الارتفاع المتسارع للأسعار، ما أدى إلى تراجع مستمر في القوة الشرائية.


وذكرت وكالة أنباء العمل الإيرانية أن أجر العامل ليوم كامل من العمل، بعد ثماني ساعات متواصلة، لم يعد يكفي لشراء 250 جرامًا فقط من اللحوم الحمراء.


وأضافت الوكالة أن عددًا كبيرًا من العمال يواجهون صعوبات متزايدة في تغطية نفقات المعيشة الأساسية حتى مع العمل لساعات إضافية.


وتشير تقارير ميدانية إلى استمرار عمليات تسريح العمال وتأخر صرف الأجور في بعض القطاعات الاقتصادية، فيما أكد عدد من المستفيدين من إعانات البطالة أنهم لم يتلقوا حتى الآن أي دفعات مالية رغم الموافقة على طلباتهم منذ أشهر.

تآكل الطبقة الوسطى


لم تقتصر التداعيات الاقتصادية على الطبقات محدودة الدخل، بل امتدت أيضاً إلى الطبقة الوسطى التي شهدت تراجعاً ملحوظاً في أوضاعها المالية.


فالعائلات التي كانت قادرة سابقًا على الادخار وشراء المنازل والتخطيط للمستقبل أصبحت مضطرة اليوم إلى تقليص إنفاقها على العديد من الاحتياجات الأساسية وغير الأساسية.


ويصف بعض الخبراء هذه الظاهرة بأنها عملية تآكل تدريجي للطبقة الوسطى، التي كانت تمثل لسنوات أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.

قفزات قياسية في أسعار الغذاء

تشير البيانات الاقتصادية إلى أن الأسر الإيرانية دفعت خلال شهر مايو الماضي ما يقارب 84% أكثر من العام السابق للحصول على السلع والخدمات نفسها.

وتبقى أسعار المواد الغذائية مصدر القلق الأكبر بالنسبة لمعظم الأسر الإيرانية.

وأظهرت بيانات مركز الإحصاء الإيراني أن معدل التضخم السنوي في قطاع الأغذية والمشروبات بلغ 130% خلال الفترة المنتهية في مايو، بينما ارتفع معدل التضخم الغذائي السنوي إلى نحو 83% مقارنة بحوالي 75% في أبريل.

وأوضح الخبير الاقتصادي مرتضى أفقة أن الأسر الإيرانية تتعرض لضغوط متزايدة نتيجة استمرار ارتفاع الأسعار بوتيرة تفوق نمو الأجور والدخول.

وأشار إلى أن المواد الغذائية لم تختفِ بالكامل من سلة المستهلك، إلا أن كثيرًا من الأسر باتت تستبدل المنتجات الغذائية ذات القيمة الغذائية العالية ببدائل أقل جودة وأرخص سعرًا بهدف سد الاحتياجات الأساسية فقط.

وأضاف أن الفئات منخفضة الدخل، التي تنفق معظم دخولها على السلع الأساسية، ستكون الأكثر تضررًا إذا استمرت موجة التضخم الحالية.

 

تفاعل واسع على مواقع التواصل

وأثار احتمال تحسن العلاقات بين طهران وواشنطن تفاعلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث انقسمت آراء المستخدمين بين التفاؤل والحذر.

وكتبت الصحفية الإيرانية آزاده مختاري أن المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة قد تكون انتهت في الوقت الراهن، لكن الانتصار الحقيقي بالنسبة للمواطنين لن يتحقق إلا عندما تبدأ الحرب على التضخم وتنتهي بالقضاء عليه.

وأضافت أن المواطنين يشعرون بالارتياح عندما تتوقف أصوات الانفجارات، لكنهم يشعرون بالسعادة الحقيقية عندما تتوقف موجات الغلاء ويستقر مستوى الأسعار.

في المقابل، رحب بعض المستخدمين بمذكرة التفاهم الأخيرة وأعربوا عن أملهم في أن تمهد الطريق نحو اتفاق شامل، معتبرين أن البلاد بحاجة إلى مرحلة جديدة تعوض الخسائر الاقتصادية والوظيفية التي خلفتها سنوات التوتر والصراع.

لكن آخرين أبدوا تشككًا واضحًا في قدرة الاتفاق على إحداث تغيير ملموس في حياتهم اليومية، مؤكدين أن التجارب السابقة تجعلهم غير مقتنعين بأن توقيع أي اتفاق سياسي سيكون كافيًا لتحسين مستوى المعيشة أو معالجة الأزمات الاقتصادية المتراكمة.

وبين التفاؤل الحذر والتشاؤم المستند إلى سنوات من المعاناة الاقتصادية، يظل الشارع الإيراني مترقبًا لما إذا كانت الانفراجة السياسية الأخيرة ستتحول فعلًا إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين، أم أنها ستبقى مجرد خطوة دبلوماسية لا يشعر الناس بنتائجها على أرض الواقع.