أسرار قلعة بافور الاستراتيجية.. كيف تغيرت معادلة الحرب الإسرائيلية اللبنانية؟

أسرار قلعة بافور الاستراتيجية.. كيف تغيرت معادلة الحرب الإسرائيلية اللبنانية؟

أسرار قلعة بافور الاستراتيجية.. كيف تغيرت معادلة الحرب الإسرائيلية اللبنانية؟
قصف لبنان

أعلنت القيادة العسكرية الإسرائيلية، يوم الأحد، أن قواتها تمكنت من السيطرة على جبل استراتيجي يعلوه قلعة بُنيت في العصور الصليبية، في أعمق عملية اقتحام للأراضي اللبنانية منذ أكثر من ربع قرن، في حين أجرت الولايات المتحدة اتصالات مع قادة لبنان وإسرائيل لمحاولة الحفاظ على مسار المفاوضات مستمرة، بحسب ما نشرته وكالة "أسوشيتيد برس" الأمريكية.

وأكد الجيش الإسرائيلي، أن السيطرة على قلعة بوفور قرب مدينة النبطية جاءت بعد أيام من الغارات الجوية والاشتباكات العنيفة في القرى المجاورة بين القوات الإسرائيلية ومسلحي حزب الله، مشيرًا إلى أن هذه السيطرة تمثل تقدمًا كبيرًا في الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، التي بدأت في الثاني من مارس عندما أطلق الحزب صواريخ على شمال إسرائيل بعد يومين من هجوم أمريكي وإسرائيلي على إيران، الداعم الرئيسي له.

غزو بري

ومنذ ذلك الحين، شنت إسرائيل غزوًا بريًا تمكنت خلاله من السيطرة على عشرات القرى والبلدات اللبنانية القريبة من الحدود، في حين أطلق حزب الله آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة على الجنود الإسرائيليين في جنوب لبنان وشمال إسرائيل.

ورغم وجود هدنة شكلية منذ 17 أبريل، استمرت الاشتباكات على الأرض قبل أيام من الجولة الجديدة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن المقررة بدءًا من الثلاثاء.

وفي محاولة لإعادة المسار التفاوضي، أجرى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو اتصالات مع الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، واقترح خطة تهدف إلى وقف هجمات حزب الله على إسرائيل مقابل التزام إسرائيل بعدم تصعيد العمليات العسكرية في بيروت، وفقًا لمسؤول أمريكي طلب عدم الكشف عن هويته لمناقشة تفاصيل المحادثات الخاصة.

من جانبه، أكد رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، الحليف الأساسي لحزب الله، في بيان تلفزيوني، أن الحزب يضمن التزامه الكامل والفوري بالهدنة، متسائلاً عن الجهات التي ستجبر إسرائيل على وقف عدوانها.

وطالب وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو بعقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن لمناقشة العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، واصفًا إياها بأنها "غير مقبولة"، مؤكدًا أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للمدن والمناطق اللبنانية لا يمكن تبريره. 

وأفاد الدبلوماسيون، بأن الاجتماع قد يُعقد عصر الاثنين، وفق مصادر تحدثت بشرط عدم الكشف عن هويتها.

قلعة تاريخية واستراتيجية

نشر المتحدث العسكري الإسرائيلي بالعربية، أفريشاي أدرعي، صورًا تظهر الجنود الإسرائيليين خارج القلعة، بينما كتب وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس على منصة "X"، أن العلم الإسرائيلي رفع فوق القلعة.

 وتعود السيطرة السابقة على القلعة إلى عام 1982، واستمر الاحتلال حتى انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان عام 2000.

وقال كاتس -خلال مراسم تذكارية لجنود إسرائيليين قضوا في الاحتلال السابق-: "بعد ستة وعشرين عامًا من الانسحاب من المنطقة الأمنية في لبنان، عاد العلم الإسرائيلي ليُرفع على القمم التي تطل على بلدات الجليل".

 وأضاف: أن إسرائيل تنوي الاحتفاظ بالقلعة بينما تعمل قواتها على تدمير آلاف المنازل التي وصفها بأنها كانت تستخدم من قبل حزب الله والبنية التحتية العسكرية في جنوب لبنان.

تقع قلعة بوفور على تلال خضراء مرتفعة مطلة على نهر الليطاني، وكانت على مر القرون موقعًا استراتيجيًا مهمًا.

 بُنيت القلعة في القرن الثاني عشر على أسس تحصينات قديمة، واستخدمها جيش صلاح الدين، المماليك، العثمانيون، الفرنسيون خلال الانتداب، ومنظمة التحرير الفلسطينية، أطلق الصليبيون عليها اسم "بوفور" ويعني باللغة الفرنسية القديمة "القلعة الجميلة".

وتعد السيطرة على القلعة عام 1982 انتصارًا كبيرًا للجيش الإسرائيلي بقيادة وزير الدفاع آنذاك أريئيل شارون، حيث تقدمت القوات الإسرائيلية شمالاً واحتلت بيروت، وأعيد ترميم القلعة جزئيًا في عام 2000 وفتحت للزوار.

خلال الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله عام 2024، منحت منظمة اليونسكو 34 موقعًا ثقافيًا في لبنان، بما في ذلك قلعة بوفور، حماية معززة للحفاظ عليها من الأضرار. 

وتقع القلعة على بُعد بضعة كيلومترات شمال الحدود الإسرائيلية، وتطل على مساحات واسعة من جنوب لبنان وشمال إسرائيل، ويطلق عليها في العربية اسم "قلعة الشقيف".

توسع الهجوم الإسرائيلي في لبنان

في الأيام الأخيرة، وسعت إسرائيل نطاق عملياتها العسكرية عبر عبور نهر الليطاني، الذي كان بمثابة حدود فعلية، مطالبة السكان بمغادرة أجزاء كبيرة من جنوب لبنان.

وأوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أن الاحتلال الحالي للقلعة يمثل مرحلة درامية وتحولاً كبيرًا في السياسات الإسرائيلية على حدودها مع سوريا ولبنان وغزة، مؤكدًا أن القوات الإسرائيلية قتلت نحو 3000 مسلح من حزب الله منذ بداية الحرب، فيما لم يعلن الحزب عن خسائره.

وصنفت إسرائيل المنطقة الممتدة من الليطاني حتى نهر الزهراني كمنطقة قتالية، وبدأ عدد من السكان بمغادرة المنطقة بسبب الغارات المكثفة، بينما ما يزال آخرون متمسكين بالبقاء.

وتواصل القوات الإسرائيلية التقدم في القرى القريبة من القلعة، على بعد نحو 5 كيلومترات من النبطية، داعية السكان إلى مغادرة المنطقة، بما في ذلك مدينة صيدا وسواحلها.

وبحسب محللين سياسيين في بيروت، فإن هذا التوسع يمنح إسرائيل أفضلية في الجولة المقبلة من المفاوضات المباشرة مع لبنان في واشنطن، حيث يمكنها فرض شروطها على حزب الله قبل أي انسحاب محتمل.

تبادل النار على الحدود

استمرت الغارات الإسرائيلية بالقرب من مدينة صيدا، بما في ذلك مستشفى حيرام، وأسفرت عن إصابة 13 عاملاً في القطاع الصحي.

 وفي دير الزهراني، قُتل ثمانية أشخاص وأصيب 16 آخرون، وفق وكالة الأنباء الرسمية اللبنانية.

في المقابل، أعلن حزب الله عن تنفيذ هجومين استهدفا جنودًا إسرائيليين ودبابة ميركافا في بلدة البياضة القريبة من الحدود، كما زعم أنه اشتبك مع القوات الإسرائيلية في عدة بلدات شمال النهر والقلعة الاستراتيجية، وأطلق صواريخ باتجاه مناطق شمال إسرائيل بما فيها كريات شمونة.

وأدى استخدام حزب الله للطائرات المسيّرة القائمة على الألياف البصرية إلى إلحاق خسائر كبيرة بالجيش الإسرائيلي، الذي يواجه صعوبة في الرد، مع تسجيل نحو 200 إنذار لسكان شمال إسرائيل خلال الـ24 ساعة الماضية تحذر من الطائرات والصواريخ.

أسفرت الجولة الأخيرة من القتال بين إسرائيل وحزب الله عن مقتل نحو 3350 شخصًا في لبنان ونزوح أكثر من مليون شخص، فيما قُتل 25 جنديًا إسرائيليًا ومقاول دفاعي، إضافة إلى وفاة مدنيين اثنين في شمال إسرائيل، وفق مكتب نتنياهو.