كواليس قناة ترامب السرية مع الحرس الثوري.. ماذا دار خلف أبواب طهران؟
كواليس قناة ترامب السرية مع الحرس الثوري.. ماذا دار خلف أبواب طهران؟
كشفت مصادر مطلعة عن تفاصيل قناة اتصال سرية أقامتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع قيادة الحرس الثوري الإيراني، في محاولة للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما خلص مسؤولون أمريكيون إلى أنهم لا يستطيعون التأكد من أن المفاوضين الإيرانيين الذين يتحدثون معهم يملكون بالفعل صلاحية اتخاذ القرارات باسم الحرس الثوري، صاحب النفوذ الواسع في إيران.
وأكد موقع "أكسيوس" الأمريكي، أنه في منتصف مايو، واجه المفاوضون الأمريكيون الذين كانوا يحاولون التوصل إلى اتفاق مع إيران لإنهاء الحرب مشكلة معقدة، تمثلت في عدم قدرتهم على التأكد مما إذا كان المسؤولون الإيرانيون الجالسون على الجانب الآخر من طاولة المفاوضات يتحدثون فعلًا باسم الحرس الثوري الإيراني، أم أن قراراتهم كانت تخضع لتدخل قيادة الحرس الثوري.
وفي خطوة غير تقليدية، تجاوز مسؤولون في إدارة ترامب قنوات التفاوض الإيرانية الرسمية، وحاولوا التواصل مباشرة مع قيادة الحرس الثوري.
واختارت الإدارة الأمريكية رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني للقيام بهذا الدور السري، نظرًا إلى تمتعه بميزة نادرة، وهي ثقة كل من المسؤولين الأمريكيين وقيادات الحرس الثوري الإيراني.
لماذا يمثل هذا الأمر أهمية؟
تكشف هذه الواقعة، التي تحدثت عنها ثلاثة مصادر لديها معرفة مباشرة بالتفاصيل ولم يسبق نشرها، مدى التعقيد الذي واجهته الولايات المتحدة في التفاوض مع إيران، في ظل عدم قدرة واشنطن على تحديد الجهة التي تمتلك السلطة الفعلية لاتخاذ القرارات داخل النظام الإيراني.
وتوصلت الولايات المتحدة وإيران بالفعل إلى مذكرة تفاهم، إلا أن الاتفاق انهار سريعًا.
وتتمثل المشكلة الرئيسية التي تواجه إدارة ترامب حاليًا، والتي ستواجهها في أي مفاوضات مستقبلية، في ضمان أن تكون المحادثات مع الأشخاص الذين يمتلكون فعلًا سلطة اتخاذ القرار في إيران.
ويعني ذلك أيضًا ضرورة العثور على وسطاء يحظون بثقة كل من البيت الأبيض والنظام الإيراني، بما يسمح بإنشاء قناة اتصال موثوقة بين الطرفين.
الحرب تعيد تشكيل موازين السلطة في إيران
أدت الحرب إلى إحداث تغييرات كبيرة في هيكل القيادة الإيرانية.
وأدى اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار القادة السياسيين، إلى جانب القتال الذي استمر 40 يومًا بعد ذلك، إلى تعزيز قبضة الحرس الثوري على مفاصل السلطة في البلاد بصورة كبيرة، بما في ذلك عملية صنع القرارات المتعلقة بالأمن القومي والسياسة الخارجية.
كما ساهم الغموض الذي أحاط بحالة المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي خلال الأسابيع الأولى من الحرب، وغيابه عن الظهور العلني، في تعزيز نفوذ قادة الحرس الثوري ودورهم في إدارة شؤون البلاد.
بداية الاتصالات السرية
بعد وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 8 أبريل، والقمة التي عقدت في إسلام آباد بعد ذلك بأيام، بدأت الولايات المتحدة وإيران محاولة التفاوض على إنهاء الحرب.
وفي أوائل مايو، اعتقد البيت الأبيض أن التوصل إلى اتفاق بات قريبًا، إلا أن إيران أخرت ردها لأكثر من 10 أيام.
وبدأ المفاوضون الأمريكيون في البيت الأبيض يعتقدون أن المفاوضين الإيرانيين، رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، لا يمتلكون الصلاحيات الكافية لإبرام اتفاق، وأن الحرس الثوري كان يتدخل في المفاوضات ويتجاوز ما يتفق عليه المفاوضون الإيرانيون.
الحرس الثوري يدخل على خط المفاوضات
أدرك البيت الأبيض في تلك المرحلة أنه بحاجة إلى قناة اتصال خلفية مع قيادة الحرس الثوري الإيراني.
وفي نحو 10 مايو، أجرت مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية آنذاك تولسي غابارد اتصالًا بنيجيرفان بارزاني.
ووفقًا لمصدرين لديهما معرفة مباشرة بالمكالمة، أبلغت غابارد بارزاني أن الإدارة الأمريكية تعتقد أنه قادر على المساعدة في التواصل مع قائد الحرس الثوري، الجنرال أحمد وحيدي.
وكان بارزاني قد عاش في إيران خلال الحرب الإيرانية العراقية، ودرس في جامعة طهران، كما يتحدث اللغة الفارسية بطلاقة، ولديه علاقات شخصية مع عدد من كبار المسؤولين في النظام الإيراني، بمن فيهم مسؤولون بارزون في الحرس الثوري، وفق أحد المصادر.
وقال بريت ماكغورك، الذي عمل مستشارًا لشؤون الشرق الأوسط لدى أربعة رؤساء أمريكيين: إن نيجيرفان بارزاني معروف بقدرته على التعامل مع المشكلات بصورة عملية، ويحظى باحترام واسع في المنطقة، كما يعرف تقريبًا جميع الأطراف المؤثرة في طهران وواشنطن، ولذلك يمكن اللجوء إليه في الأوقات الحرجة.
وأوضح المصدر أن غابارد أبلغت بارزاني بوضوح أنها تجري الاتصال بموافقة الرئيس دونالد ترامب ونائب الرئيس جي دي فانس.
وقالت غابارد لبارزاني: إن البيت الأبيض يريد معرفة ما إذا كان الجنرال وحيدي وقيادة الحرس الثوري يؤيدان ما كان قاليباف وعراقجي يتفاوضان بشأنه، أم أن لديهما أفكارًا أو مطالب أخرى.
وأشارت غابارد إلى أن الوسطاء لم يتمكنوا من التواصل مباشرة مع وحيدي للحصول على توضيح بشأن موقفه.
بارزاني يتواصل مباشرة مع قيادة الحرس الثوري
وافق بارزاني على طلب غابارد، وتواصل مع مصادره داخل الحرس الثوري، وأبلغهم بأن لديه رسالة من إدارة ترامب.
لكن بارزاني شدد على رغبته في التحدث مباشرة مع الجنرال وحيدي، ووافق الإيرانيون على ذلك.
وفي 14 مايو، وصل مسؤول في الحرس الثوري إلى مكتب بارزاني في أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، وكان يحمل هاتفًا مشفرًا لإجراء اتصال آمن.
وسأل بارزاني الجنرال وحيدي عما إذا كان يتفق مع المفاوضين الإيرانيين بشأن مسار المفاوضات.
وأكد الجنرال الإيراني، أنه يؤيد موقف المفاوضين، مشيرًا إلى أن الحرس الثوري يتبنى الموقف نفسه، وأن إيران تفضل حل الأزمة من خلال المفاوضات.
وبحسب ثلاثة مصادر، من بينها مسؤول في البيت الأبيض، أجرى بارزاني اتصالًا بغابارد فور انتهاء محادثته مع وحيدي، وأطلعها على الرد الإيراني.
وبدورها، نقلت غابارد تفاصيل الرد إلى البيت الأبيض.
مقترح أمريكي لعقد مفاوضات سرية في أربيل
بعد تلقي الرد الإيراني، قدمت إدارة ترامب مقترحًا جديدًا، وفق أحد المصادر المطلعة على الاتصالات السرية.
وطلبت الولايات المتحدة من بارزاني استضافة محادثات سرية بين كبار المفاوضين الأمريكيين والإيرانيين في أربيل.
وتواصل بارزاني مجددًا مع الجانب الإيراني ونقل إليه المقترح الأمريكي.
ولم يستبعد الإيرانيون عقد الاجتماع، إلا أنهم أبدوا مخاوف تتعلق بأمنهم، بحسب المصدر.
وكان المسؤولون الإيرانيون يعتقدون أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية لديها عدد كبير من العناصر والمصادر داخل إقليم كردستان العراق، وأعربوا عن خشيتهم من أن تحاول إسرائيل اغتيالهم في أربيل أو أثناء سفرهم إليها أو عودتهم منها.
وفي النهاية، لم يُعقد الاجتماع السري المقترح في أربيل.
مفاوضات بلا تقدم ملموس
في الوقت الراهن، يواصل وسطاء من باكستان وقطر نقل الرسائل بين الولايات المتحدة وإيران، لكن من دون تحقيق تقدم كبير، وفق مصادر إقليمية مطلعة على الملف.
ويرى بعض هذه المصادر، أن الوسطاء الباكستانيين يقدمون تقييمات أكثر تفاؤلًا من واقع المحادثات الفعلي، في محاولة لخلق شعور بوجود زخم يمكن أن يساعد في كسر حالة الجمود بين واشنطن وطهران.
بارزاني يعرض إعادة إطلاق المفاوضات
وبحسب مصدر مطلع على الملف، أرسل بارزاني مؤخرًا رسائل إلى البيت الأبيض عرض فيها المساعدة في إعادة إطلاق المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.
لكن بريت ماكغورك يرى أن المشكلة لا تكمن في هوية الوسيط، وإنما في السياسة الإيرانية تجاه مضيق هرمز.
وقال إن القضية تتعلق بموقف إيران من مضيق هرمز، مرجحًا أن هذا الموقف لن يتغير في المستقبل القريب.
وتسلط الاتصالات السرية التي جرت عبر بارزاني الضوء على حجم التعقيدات التي تواجهها إدارة ترامب في التعامل مع النظام الإيراني، خصوصًا في ظل تداخل مراكز القوة بين القيادة السياسية والحرس الثوري، وعدم وضوح مدى قدرة المسؤولين الذين يشاركون رسميًا في المفاوضات على اتخاذ قرارات ملزمة.
كما تكشف هذه القناة الخلفية عن اعتماد واشنطن على شخصيات إقليمية تتمتع بعلاقات متشابكة مع أطراف متعارضة، في محاولة للوصول إلى مراكز صنع القرار الحقيقية داخل طهران، بعيدًا عن القنوات الدبلوماسية الرسمية.

العرب مباشر
الكلمات