تصاعد حروب الطائرات المسيّرة يُعيد تشكيل موازين القوى بين أوكرانيا وإيران
تصاعد حروب الطائرات المسيّرة يُعيد تشكيل موازين القوى بين أوكرانيا وإيران
يشهد العالم تحولًا استراتيجيًا لافتًا في طبيعة الصراعات العسكرية، مع دخول الطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة كعامل حاسم في ساحات القتال، في ظل تقاطع واضح بين ما يجري في أوكرانيا والتطورات المرتبطة بالبرنامج العسكري الإيراني، وهو ما يفرض معادلات جديدة على موازين القوى الدولية، بحسب ما ذكرته شبكة "سي إن إن" الأمريكية.
طفرة غير مسبوقة
في سابقة هي الأولى من نوعها في التاريخ العسكري، تمكنت قوات أوكرانية خلال الأسبوع الماضي من السيطرة على موقع ميداني باستخدام طائرات مسيّرة وروبوتات قتالية دون تدخل بشري مباشر على الأرض، في خطوة تعكس انتقال الحروب إلى مرحلة جديدة تعتمد على التكنولوجيا بشكل شبه كامل.
جاء هذا التطور مفاجئًا لروسيا، التي اعتقدت بدعم إيراني أنها تتفوق في مجال حرب الطائرات المسيّرة داخل أوكرانيا. إلا أن كييف نجحت في قلب المعادلة عبر تسريع وتيرة الابتكار، بالتزامن مع تحركات أمريكية لإضعاف برامج إيران الصاروخية والمسيّرة، التي لعبت دورًا محوريًا منذ عام 2023 في دعم العمليات الروسية ضد المدن الأوكرانية.
الترابط بين جبهتي أوكرانيا وإيران
تُشير المعطيات إلى أن النظر إلى الحرب في أوكرانيا والتصعيد مع إيران باعتبارهما ملفين منفصلين لم يعد يعكس الواقع، حيث باتت التقنيات والتكتيكات المستخدمة في كلا الجبهتين مترابطة بشكل وثيق، ما يمنح الولايات المتحدة فرصة لإعادة صياغة استراتيجياتها الدفاعية والهجومية استعدادًا لصراعات مستقبلية أكثر تعقيدًا.
الهجمات الإيرانية
شهدت منطقة الشرق الأوسط منذ أواخر عام 2023 تصعيدًا لافتًا في استخدام إيران للطائرات المسيّرة والصواريخ، حيث استهدفت مواقع أمريكية بشكل مباشر.
ففي ديسمبر 2023، أسفر هجوم بطائرات من طراز شاهد على مواقع أمريكية شمال العراق عن إصابة جندي أمريكي بجروح خطيرة، تلاه هجوم في يناير 2024 أدى إلى مقتل ثلاثة جنود أمريكيين في الأردن.
كما تمكنت البحرية الأمريكية في البحر الأحمر خلال الفترة ذاتها من التصدي لهجوم واسع شمل 18 طائرة مسيّرة وصواريخ كروز وباليستية، في واحدة من أعقد المواجهات الجوية، دون تسجيل خسائر بشرية بفضل أنظمة الدفاع المتقدمة.
نقل التكنولوجيا بين إيران وروسيا
في المراحل الأولى من الحرب الأوكرانية، قامت إيران بتزويد روسيا بطائرات شاهد المسيّرة، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى نقل تكنولوجيا التصنيع وإقامة خطوط إنتاج داخل الأراضي الروسية، ما سمح بإنتاج مئات الطائرات يوميًا.
أدى هذا التطور إلى اعتماد روسيا على تكتيك الهجمات الجماعية عبر أسراب من الطائرات المسيّرة، وهو الأسلوب الذي تبنته إيران لاحقًا في هجماتها، مستهدفة إغراق أنظمة الدفاع الجوي بعدد كبير من الأهداف قبل إطلاق الصواريخ الثقيلة لتحقيق إصابات دقيقة.
الابتكار الأوكراني يغير قواعد اللعبة
في المقابل، نجحت أوكرانيا خلال سنوات الحرب في بناء منظومة متكاملة لتصنيع واستخدام الطائرات المسيّرة، مستندة إلى نموذج لامركزي يشمل مطورين مستقلين وشركات ناشئة إلى جانب القوات العسكرية.
رغم تفوق روسيا من حيث الكمية، فإن أوكرانيا تتقدم من حيث الكفاءة والمرونة، حيث أصبحت طائراتها تهيمن على خطوط المواجهة وتتسبب في آلاف الخسائر أسبوعيًا في صفوف القوات الروسية، كما بات من الصعب على الجنود الروس التحرك في مناطق مفتوحة دون التعرض للاستهداف.
تشير تقديرات حديثة إلى أن أوكرانيا تستخدم نحو 10 آلاف طائرة مسيّرة يومياً، مع قدرة متزايدة على اختراق العمق الروسي وتجاوز أنظمة الدفاع التقليدية، إضافة إلى دورها في تقليل الخسائر البشرية عبر اعتراض الطائرات المعادية.
في إحدى العمليات الأخيرة، تمكنت الدفاعات الأوكرانية من إسقاط الغالبية الساحقة من الطائرات التي أطلقتها روسيا، في مؤشر على تطور قدراتها الدفاعية.
سباق التصنيع والتكلفة
تسعى أوكرانيا إلى توسيع إنتاجها ليصل إلى أكثر من 7 ملايين طائرة مسيّرة خلال العام الجاري، وهو رقم يتجاوز قدرات العديد من شركات الدفاع الغربية، مع ميزة إضافية تتمثل في انخفاض التكلفة، حيث تقل تكلفة الطائرة الاعتراضية الأوكرانية بشكل كبير مقارنة بالطائرات الإيرانية.
الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران
في سياق موازٍ، تركز الولايات المتحدة على استهداف البنية التحتية لبرنامج إيران الصاروخي والجوي، بما يشمل مواقع التخزين والإنتاج، بهدف تقليص قدراته وتأخير تطوره لسنوات، خاصة مع وصوله إلى مستويات متقدمة من الدقة والمدى والقدرة التدميرية.
تحذر تقديرات أمريكية من أن استمرار تطور هذا البرنامج كان سيمنح إيران قدرة ردع شبه محصنة، تجعل من الصعب استهدافه عسكريًا في المستقبل.
تحركات أوكرانية في الخليج
في خطوة لافتة، كثف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تحركاته الدبلوماسية خلال ذروة التصعيد، حيث زار دولًا خليجية وقدّم عروضًا للتعاون الدفاعي تشمل خبرات وأنظمة متطورة لمواجهة الطائرات المسيّرة.
أسفرت هذه التحركات عن توقيع اتفاقيات دفاعية مع عدد من الدول، ما يعزز من حضور أوكرانيا كلاعب رئيسي في مجال تقنيات الدفاع الحديثة.
فرصة استراتيجية ضائعة
يرى محللون أن التلاقي بين الجهود الأمريكية لإضعاف إيران والتطور الأوكراني في مجال الطائرات المسيّرة يمثل فرصة استراتيجية لإعادة تشكيل ميزان القوى لصالح التحالف الغربي.
غير أن مؤشرات من واشنطن توحي بتراجع في استثمار هذه الفرصة، وسط تهديدات بإعادة النظر في الالتزامات تجاه حلف شمال الأطلسي، وتوجيه انتقادات لأوكرانيا بشأن تعثر مسار السلام مع روسيا.
في هذا السياق، يبرز خيار تعزيز القدرات الأوكرانية كأحد المسارات المحتملة لإنهاء الحرب، عبر تحقيق تفوق ميداني يمنح الأطراف الداعمة لها أوراق ضغط حاسمة في أي مفاوضات مستقبلية.

العرب مباشر
الكلمات