كيف تحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة قتل للتقليل من الأخطاء أم لتصفية النساء والأطفال؟.. اعترافات جنود إسرائيليين
يثير استخدام الذكاء الاصطناعي في حرب غزة جدلًا واسعًا حول دوره في تحديد الأهداف العسكرية، وسط اعترافات جنود إسرائيليين تكشف تفاصيل مثيرة للجدل بشأن آليات الاستهداف واحتمالات سقوط النساء والأطفال بين الضحايا.
يكشف الفيلم الوثائقي «نازا» عن شهادات مثيرة لضباط وجنود إسرائيليين شاركوا في منظومة العمليات العسكرية داخل قطاع غزة، مسلطًا الضوء على الدور الذي لعبته تقنيات الذكاء الاصطناعي وأنظمة المراقبة في تحديد الأهداف وتنفيذ الغارات.
ويطرح الفيلم، الذي عُرض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، تساؤلات حول الطريقة التي تحولت بها التكنولوجيا من أداة يفترض أن تساعد على تقليل الأخطاء في العمليات العسكرية إلى جزء من منظومة واسعة لاتخاذ قرارات القصف، في ظل معرفة مسبقة باحتمال وجود مدنيين، بينهم نساء وأطفال، داخل المناطق المستهدفة.
ويستند «نازا» إلى شهادات 24 من ضباط الاستخبارات والجنود الإسرائيليين، جرى تصوير مقابلاتهم بصورة سرية على مدار 3 أعوام، مع اتخاذ إجراءات لإخفاء هوياتهم، بهدف توثيق ما جرى داخل المنظومة العسكرية من وجهة نظر أشخاص شاركوا في تشغيلها أو تصميم بعض أنظمتها.
فيلم «نازا».. شهادات من داخل المنظومة العسكرية الإسرائيلية
أخرج الفيلم الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل زور، وهما من مخرجي الفيلم الوثائقي «لا أرض أخرى» الحائز جائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي عام 2025.
وعُرض «نازا» عالميًا للمرة الأولى في 10 سبتمبر 2026، ضمن فعاليات الدورة الـ83 من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، حيث ينافس على جائزة الأسد الذهبي.
ويحاول الفيلم تقديم صورة مختلفة عن الحرب في غزة، من خلال الاستماع إلى أشخاص كانوا جزءًا من المؤسسات العسكرية والاستخباراتية، بدلًا من الاكتفاء بالشهادات القادمة من خارج المنظومة.
ويشير صناع الفيلم إلى أن الهدف الأساسي لم يكن التركيز على مشاعر الندم لدى الجنود أو تبرير أفعالهم، وإنما فهم الطريقة التي عملت بها المنظومة والقرارات والإجراءات التي سمحت باستمرار عمليات القصف.
كيف استخدم الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف؟
تتناول الشهادات الواردة في «نازا» استخدام أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي في تحليل كميات كبيرة من المعلومات والمساعدة في تحديد أشخاص يشتبه في ارتباطهم بحركة حماس.
وبحسب ما يورده الفيلم، لم تتوقف العملية عند تحديد الأشخاص، بل ارتبطت في بعض الحالات بقرارات استهداف لمبانٍ ومنازل يُعتقد أن الأشخاص المستهدفين موجودون داخلها.
وتكشف الشهادات عن منظومة تعتمد على المراقبة الرقمية وجمع المعلومات وتحليلها، قبل انتقال القرار إلى مرحلة تنفيذ الضربة.
ويقر الجيش الإسرائيلي باستخدام الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحديد الأهداف، لكنه يؤكد أن تنفيذ الضربات لا يتم بصورة آلية، وأن القرار النهائي يتضمن تدخلًا بشريًا.
وهنا يطرح الفيلم سؤالًا محوريًا حول حدود المسؤولية البشرية عندما تدخل الخوارزميات وأنظمة الذكاء الاصطناعي في مراحل تحديد الأهداف العسكرية.
المدنيون في حسابات القصف.. هل كانت الخسائر متوقعة؟
من أبرز القضايا التي يناقشها الفيلم مسألة معرفة القائمين على بعض العمليات بوجود مدنيين داخل المناطق المستهدفة.
وتتضمن الشهادات روايات عن تنفيذ غارات على منازل مع وجود معلومات تشير إلى احتمال بقاء أفراد من العائلات داخلها، بما في ذلك النساء والأطفال.
ولا تقدم المادة المتاحة عن الفيلم اعترافًا مباشرًا باستهداف الأطفال بسبب كونهم أطفالًا، لكنها تشير إلى قرارات عسكرية اتُخذت مع معرفة مسبقة بإمكانية سقوط مدنيين نتيجة الضربة.
وبذلك يركز «نازا» على الفارق بين سقوط المدنيين باعتباره نتيجة غير متوقعة لعملية عسكرية، وبين اتخاذ قرار عسكري مع إدراك مسبق لاحتمال وقوع خسائر بشرية.
كما يتناول الفيلم روايات عن تدمير أحياء سكنية، رغم وجود تقديرات تشير إلى بقاء نسبة من السكان داخل منازلهم.
مراقبة الهواتف قبل الضربات.. ماذا تكشف الشهادات؟
تتطرق بعض الشهادات إلى القدرات الاستخباراتية التي سبقت عمليات القصف، ومنها اختراق هواتف أشخاص مستهدفين ومتابعة اتصالاتهم.
وبحسب ما يرويه المشاركون، شملت عمليات المراقبة محادثات مع أفراد العائلة، بينهم الزوجات والأطفال، قبل تنفيذ الضربات بفترة قصيرة.
وتثير هذه الروايات تساؤلات حول حجم المعلومات التي كانت متاحة أمام الجهات المنفذة للعمليات قبل اتخاذ قرار القصف، ومدى تأثير تلك المعلومات في تقدير احتمالات وجود مدنيين في المكان.
ويضع الفيلم هذه التفاصيل ضمن صورة أوسع لمنظومة تجمع بين المراقبة الرقمية وتحليل البيانات وتحديد الأهداف والقصف عن بعد.
«نازا» يكشف دور التكنولوجيا في الحرب على غزة لا يقدم الفيلم الذكاء الاصطناعي باعتباره عنصرًا منفصلًا عن المنظومة العسكرية، وإنما يضعه ضمن شبكة متكاملة من أدوات المراقبة وتحليل البيانات والاستخبارات واتخاذ القرار.
ويرى صناع العمل أن التكنولوجيا لا يمكن فصلها عن السياسات والتعليمات التي تحدد كيفية استخدامها، مؤكدين أن القضية الأساسية لا تتعلق فقط بالأشخاص الذين يشغلون الأنظمة، وإنما بالمنظومة التي تحدد قواعد استخدامها.
ويحاول الفيلم بذلك نقل النقاش من سؤال «من ضغط على الزناد؟» إلى سؤال أوسع يتعلق بكيفية صناعة القرار العسكري، ودور التكنولوجيا في تسريع عمليات تحديد الأهداف وتنفيذ الضربات.
وحدة استخباراتية سرية.. وشهادة عن «إحباط السلام»
تكشف الشهادات التي يعتمد عليها الفيلم أيضًا أن بعض المشاركين سبق لهم العمل في وحدة استخباراتية سرية مرتبطة مباشرة بمكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وقال أحد المشاركين، وفق ما يورده الفيلم، إن مهمة الوحدة كانت «إحباط السلام».
وتأتي هذه الشهادة ضمن محاولة «نازا» توسيع نطاق النقاش من العمليات العسكرية المباشرة إلى البنية السياسية والاستخباراتية التي يقول صناع الفيلم إنها كانت حاضرة خلف القرارات المتعلقة بالحرب.
لماذا أخفى صناع الفيلم هوية الجنود الإسرائيليين؟
نظرًا لحساسية الشهادات، جرى تصوير المقابلات بصورة سرية فوق أسطح مبانٍ في تل أبيب على مدار 3 أعوام.
كما عمل فريق الفيلم على تعديل أصوات المشاركين وملامحهم رقميًا، بهدف حماية هوياتهم.
وتأخر إدراج الفيلم في برنامج مهرجان فينيسيا حتى استكمال إجراءات حماية المصادر، وفق ما أوضحه منتج العمل.
ويقول صناع الفيلم: إن الوصول إلى هذه الشهادات تطلب سنوات من العمل والتحقق، خصوصًا أن المشاركين كانوا يتحدثون عن أنظمة عسكرية واستخباراتية حساسة.
لماذا لم يركز «نازا» على مشاعر الندم؟
اختار المخرجان عدم جعل مشاعر الضباط والجنود محور الفيلم، رغم اختلاف مواقف المشاركين بين الندم واللامبالاة وحتى الشعور بالفخر بما قاموا به، وفق تصريحات يوفال أبراهام.
ويبرر أبراهام هذا الاختيار بالرغبة في عدم تحويل الجنود إلى أبطال القصة، على حساب الفلسطينيين الذين كانوا ضحايا للعمليات التي يتناولها الفيلم.
ومن هنا ينصب التركيز على طبيعة المنظومة نفسها، وعلى التعليمات واللغة المهنية والممارسات التي سمحت باتخاذ قرارات عسكرية مع معرفة نتائجها المحتملة.
«منطقة الاهتمام».. تأثير سينمائي حاضر في «نازا»
استلهم صناع «نازا» جانبًا من طريقة تقديم الأحداث من فيلم «منطقة الاهتمام» للمخرج البريطاني جوناثان غليزر.
وفي ذلك الفيلم، بقي ضحايا معسكر أوشفيتز خارج الصورة المباشرة، بينما ظل حضورهم واضحًا من خلال الأصوات والتفاصيل المحيطة بالشخصيات.
ويشارك غليزر في «نازا» منتجًا تنفيذيًا، بينما يتولى جيمس ويلسون الإنتاج بالتعاون مع صحيفة الغارديان.
ويرى صناع «نازا» أن هذا الأسلوب يساعد على توجيه الانتباه إلى بنية المنظومة وآليات عملها بدلًا من تحويل مشاهد الضحايا إلى محور بصري يستحوذ على كامل الفيلم.
«نازا» في مهرجان فينيسيا.. تصفيق استمر نحو 25 دقيقة
حظي الفيلم باستقبال لافت خلال عرضه العالمي الأول في مهرجان فينيسيا، إذ صفق له الجمهور لنحو 25 دقيقة، فيما رفع بعض الحاضرين الأعلام الفلسطينية.
ووصف عدد من النقاد الفيلم بأنه عمل وثائقي مهم يسلط الضوء على استخدام التكنولوجيا في الحرب، بينما اعتبر آخرون أن قوته تكمن في اعتماده على شهادات أشخاص شاركوا من داخل المنظومة العسكرية.
كما وصف المدير الفني لمهرجان فينيسيا الفيلم بأنه عمل شديد الأهمية من الناحية السينمائية والسياسية، مشيرًا إلى صعوبة إقناع مسؤولي الاستخبارات والجيش الإسرائيليين بالتحدث أمام الكاميرا.
من «لا أرض أخرى» إلى «نازا».. استمرار توثيق الحرب
يمثل «نازا» امتدادًا لمسار بدأه يوفال أبراهام وراشيل زور في فيلم «لا أرض أخرى»، الذي وثق مع الفلسطينيين باسل عدرا وحمدان بلال واقع عمليات الهدم والتهجير في الضفة الغربية.
أما الفيلم الجديد، فينقل الكاميرا إلى داخل المنظومة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية، من خلال شهادات أشخاص شاركوا في عملياتها.
وبذلك ينتقل العمل من توثيق آثار الحرب على الأرض إلى محاولة فهم الآليات التي تقف خلف قرارات الاستهداف والقصف، والدور الذي أصبحت التكنولوجيا تؤديه في هذه العمليات.
غزة تعود إلى واجهة مهرجان فينيسيا
أعاد «نازا» الحرب على غزة إلى صدارة الاهتمام خلال مهرجان فينيسيا للعام الثاني على التوالي.
وكانت دورة 2025 قد شهدت مظاهرات شارك فيها آلاف الأشخاص دعمًا للفلسطينيين، بينما تناول فيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية قصة الطفلة الفلسطينية هند رجب، وحصل العمل على جائزة الأسد الفضي في الدورة السابقة.

العرب مباشر
الكلمات