بندر عباس تختنق.. الحرب والحصار يخنقان شريان الاقتصاد الإيراني

بندر عباس تختنق.. الحرب والحصار يخنقان شريان الاقتصاد الإيراني

بندر عباس تختنق.. الحرب والحصار يخنقان شريان الاقتصاد الإيراني
مضيق هرمز

تعيش مدينة بندر عباس الإيرانية، المطلة على مضيق هرمز، واحدة من أصعب مراحلها الاقتصادية، بعدما تحول الواجهة البحرية التي كانت تعج بالقوارب والشاحنات والعمال إلى منطقة هادئة بشكل لافت، في ظل تداعيات الحرب وتشديد الولايات المتحدة إجراءاتها الاقتصادية ضد إيران.

وبحسب وكالة "أسوشيتيد برس" الأمريكية، تأتي المدينة في قلب التداعيات الاقتصادية المتصاعدة، مع استمرار الحصار الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية، في وقت تأمل فيه واشنطن تكثيف الضغوط الاقتصادية على طهران بعد ستة أشهر من الحرب.

وزارت الوكالة الأمريكية المدينة خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع تعرض مناطق ساحلية لضربات جوية أمريكية جديدة، ورصدت حالة من الغضب والقلق المتزايد بين السكان، الذين بات كثير منهم يواجهون صعوبة متزايدة في تأمين احتياجاتهم اليومية، في ظل استمرار القيود المفروضة على حركة الموانئ الإيرانية.

وقال سائق سيارة أجرة يدعى حميد حاجي زاده: إن سكان المدينة يجدون صعوبة في فهم السياسات الأمريكية، مشيرًا إلى أن ما يراه الإيرانيون على الأرض يختلف بصورة كبيرة عما يشاهدونه في الأفلام الأمريكية، مضيفًا أن الضربات طالت مدارس ومراسم زفاف ومواقع أخرى، فضلًا عن طرق وجسور.

وتضم بندر عباس أكثر من 700 ألف نسمة، ويمنحها موقعها الجغرافي على مضيق هرمز رؤية مباشرة للأحداث التي استحوذت على اهتمام عالمي خلال الأشهر الماضية.

 إلا أن سكانها يقولون إن موقع المدينة الاستراتيجي لم يجلب لهم سوى الخطر والضغوط الاقتصادية والمعيشية المتزايدة منذ اندلاع الحرب.

الأعمال تتراجع والميناء يفقد نشاطه

يرتبط اقتصاد بندر عباس منذ سنوات بالبحر وبميناء الشهيد رجائي القريب منها، الذي يعد واحدًا من أكبر الموانئ التجارية في إيران.

ويتمتع ميناء الشهيد رجائي بقدرة على مناولة نحو 100 مليون طن متري من البضائع سنويًا، وفق تقرير نشرته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية إرنا في يوليو الماضي.

لكن الحرب والحصار الأمريكي أحدثا تحولًا حادًا في حركة الميناء، بعدما تراجعت عمليات نقل البضائع بصورة كبيرة.

وقال محمد تورابيان، الذي يعمل في الرصيف البحري ويقدم خدمات للمسافرين: إن ما يصل إلى 50 شاحنة محملة بالأغذية واللحوم كانت تصل إلى المكان يوميًا قبل الحرب لتفريغ حمولاتها.

أما الآن، ومع استمرار الحصار الأمريكي الذي يستهدف منع إيران من تصدير نفطها، فقد أصبحت أجزاء كبيرة من الرصيف خالية من النشاط.

وأوضح تورابيان، أن النشاط التجاري أصبح في غاية السوء، مشيرًا إلى أن نحو 500 شخص كانوا يعتمدون في السابق على العمل حول الرصيف لكسب قوتهم، لكن فرص العمل اختفت تقريبًا.

وامتدت تداعيات تراجع حركة الموانئ إلى قطاعات اقتصادية متعددة في المدينة، بدءًا من السفن وعمال الأرصفة، مرورًا بشركات التخليص الجمركي، وصولًا إلى أصحاب المتاجر والباعة في الأسواق المحلية.

شركات التخليص الجمركي تفقد معظم أعمالها

تواجه شركات التخليص الجمركي في بندر عباس بدورها تراجعًا حادًا في نشاطها، بالتزامن مع انخفاض الواردات وتراجع حركة التجارة.

وقالت مهسا شجاعي، وهي محاسبة تعمل لدى شركة للتخليص الجمركي، إن جزءًا كبيرًا من أعمال الشركة قبل الحرب كان يعتمد على استيراد الأرز والشاي والقهوة من الهند وباكستان.

لكن شجاعي قدرت أن ما بين 80 و90% من حجم العمل في شركتها اختفى منذ بدء الحرب.

وأوضحت، أن الشركة التي كانت تتولى في فترة معينة نحو 100 ملف للتخليص الجمركي لم تعد تتعامل سوى مع نحو 10 ملفات فقط، في الوقت الذي ارتفعت فيه أيضًا تكلفة إدخال البضائع عبر الإجراءات الجمركية.

ويأتي ذلك في وقت تعرض فيه الاقتصاد الإيراني لضغوط متزايدة بسبب العقوبات والقيود التجارية وتراجع قيمة العملة المحلية، ما أدى إلى زيادة تكاليف الاستيراد وتفاقم الأعباء على الشركات والمستهلكين على حد سواء.

الأسواق تخلو من المتسوقين

لم تتوقف الأضرار الاقتصادية عند الموانئ والمناطق الساحلية، بل امتدت إلى الأسواق والمتاجر، خصوصًا مع وصول العملة الإيرانية إلى مستويات قياسية من الانخفاض وتراجع القوة الشرائية للمواطنين.

ويقول التجار: إن أعداد المتسوقين تتراجع بصورة واضحة، بينما أصبح كثير من المواطنين غير قادرين على شراء السلع بالوتيرة التي اعتادوا عليها قبل الحرب.

وقال مهرداد جهانجيري، الذي يبيع ملابس الأطفال في متجر يعتمد دخله عليه وعلى والده، إن مبيعاته تراجعت بنحو النصف مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وأضاف: أن المتجر لم يعد يشهد العدد المعتاد من الزبائن، وأن السوق أصبح هادئًا للغاية.

وكان توقيت اندلاع الحرب عاملًا إضافيًا في تعميق خسائر التجار، إذ بدأت قبل وقت قصير من احتفالات رأس السنة الإيرانية، المعروفة باسم نوروز، والتي تمثل عادة واحدة من أكثر فترات العام نشاطًا بالنسبة للأسواق.

ويعتمد التجار خلال هذه الفترة على زيادة إنفاق الأسر على الملابس والهدايا والاحتياجات المختلفة مقارنة بالأشهر العادية، إلا أن الحرب أجهضت جانبًا كبيرًا من هذه المبيعات المنتظرة.

ومع اقتراب موعد إعادة فتح المدارس في وقت لاحق من سبتمبر، يواجه التجار ضربة جديدة، إذ تمثل الأسابيع التي تسبق عودة الطلاب إلى المدارس موسمًا مهمًا لشراء الملابس الجديدة للأطفال.

لكن جهانجيري قال: إن الحشود المعتادة لم تظهر هذا العام، مشيرًا إلى أن التراجع أصبح حادًا إلى درجة أن المتجر يتأخر أحيانًا في دفع الإيجار وتتراكم عليه الديون لدى التجار، وهو أمر قال إنه لم يكن يحدث من قبل.

وأوضح أن جيوب المواطنين أصبحت شبه خالية، بينما تراجعت دخولهم بصورة كبيرة.

وعندما سُئل عما إذا كانت أسرته اضطرت إلى تقليص نفقاتها اليومية، أكد أن ذلك حدث بالفعل، مشيرًا إلى أن أوضاع الإنفاق تغيرت بصورة كبيرة.

وحاول بعض التجار التكيف مع الأزمة عبر تقديم خصومات للعملاء، أو السماح للزبائن الموثوق بهم بسداد قيمة مشترياتهم على أقساط، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من النشاط التجاري.

البحر لم يعد آمنًا

بالنسبة إلى العاملين الذين يعتمدون بصورة مباشرة على البحر، لا تقتصر الأزمة على تراجع النشاط التجاري، بل تمتد أيضًا إلى المخاطر الأمنية التي تحد من قدرتهم على التحرك لمسافات بعيدة.

وقال عباس غلزنائي، وهو قائد قارب سريع ينقل الركاب إلى السفن والموانئ القريبة، إنه كان قبل الحرب يقطع مسافة تصل إلى 30 ميلًا، أي نحو 48 كيلومترًا، بحثًا عن العمل.

وأضاف: أنه قبل الحرب كانت الأعمال جيدة، لكنه لم يعد قادرًا على الابتعاد أكثر من 7 أو 8 أميال، أي نحو 11 إلى 13 كيلومترًا، بسبب المخاطر التي تحيط بالملاحة في البحر.

وأوضح، أن البحر لم يعد آمنًا، وهو ما أدى إلى انخفاض أعداد الركاب الذين ينقلهم وتراجع دخله.

كما أشار إلى صعوبة الحصول على مستلزمات أساسية للعمل، قائلًا إن الحصول على البنزين أصبح مشكلة أخرى تواجه العاملين في هذا القطاع.

وعلى مسافة أبعد في البحر، بدت سفن الشحن واضحة أمام غروب الشمس، لكنها بقيت معلقة في حالة من عدم اليقين، في مشهد يعكس وضع مدينة بندر عباس نفسها، التي تنتظر معرفة متى يمكن لحركة التجارة والملاحة أن تعود إلى طبيعتها.

الحصار يضغط على الاقتصاد الإيراني

وكانت السلطات الإيرانية قد انتقدت بشدة الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على الموانئ الإيرانية في أبريل، قبل أن تعود واشنطن إلى تشديده مجددًا عقب انهيار المفاوضات مع طهران بشأن مسار لإنهاء الحرب.

وتوعدت الولايات المتحدة منذ ذلك الحين بمواصلة زيادة الضغوط الاقتصادية على إيران، في وقت يمثل فيه مضيق هرمز شريانًا حيويًا لحركة التجارة العالمية، خصوصًا شحنات النفط والغاز الطبيعي والمنتجات المرتبطة بالطاقة.

وكان رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي شارك بوصفه كبير المفاوضين في المحادثات التي انهارت مع الولايات المتحدة، قد حذر في وقت سابق من سبتمبر من أن أي تصعيد للحصار سيقابل برد عسكري.

وبالنسبة إلى سكان بندر عباس، فإن تداعيات المواجهة لم تعد مسألة مرتبطة بالسياسة الدولية وحدها، بل تحولت إلى أزمة معيشية يومية، تظهر في الموانئ الخالية، وتراجع حركة الشاحنات، وانكماش أعمال شركات التخليص الجمركي، وانخفاض مبيعات المتاجر، وارتفاع تكاليف المعيشة، فضلًا عن المخاطر المتزايدة التي يواجهها العاملون في البحر.

وفي الوقت الذي تتواصل فيه الضغوط الأمريكية على الاقتصاد الإيراني، يجد سكان المدينة أنفسهم في مواجهة مباشرة مع تداعيات الصراع، بينما تتراجع قدرتهم على العمل والإنفاق، وتزداد حالة عدم اليقين بشأن مستقبل التجارة والملاحة في أحد أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم