لبنان على حافة الاختبار الأصعب.. نهاية مهلة السلاح تعيد شبح الانفجار

لبنان على حافة الاختبار الأصعب.. نهاية مهلة السلاح تعيد شبح الانفجار

لبنان على حافة الاختبار الأصعب.. نهاية مهلة السلاح تعيد شبح الانفجار
جنوب لبنان

مع اقتراب نهاية العام، يعود لبنان إلى مربع القلق القديم، لكن هذه المرة بثقل أكبر وأسئلة أكثر خطورة. فالمهلة المحددة لما يُعرف بملف نزع سلاح المقاومة تقترب من نهايتها، دون أن تلوح في الأفق مؤشرات حقيقية على تسوية سياسية أو أمنية شاملة، بلدٌ منهك اقتصاديًا، مشلول سياسيًا، ومفتوح أمنيًا على احتمالات التصعيد، يجد نفسه مجددًا في مواجهة اختبار مصيري: هل يستطيع عبور هذا المنعطف دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، أم أن توازن الردع الهش سيتداعى تحت ضغط الحسابات الإقليمية والدولية.

 الحديث لا يدور فقط حول سلاح، بل حول موقع لبنان في معادلة إقليمية متشابكة، وحول قدرة الدولة على فرض قرارها السيادي في ظل انقسامات داخلية حادة وضغوط خارجية لا تهدأ. ومع اقتراب لحظة الحسم، يبدو المشهد اللبناني أقرب إلى حقل ألغام سياسي، يكفي خطأ واحد لإشعال فتيل مواجهة لا يملك أحد رفاهية تحمل كلفتها.

ضغط سياسي


يدخل لبنان الأيام الأخيرة من العام وسط أجواء مشحونة بالترقب، مع حلول الموعد النهائي الذي حُدد لاستكمال المرحلة الكبرى الأولى من نزع سلاح حزب الله، هذا الموعد، الذي جاء نتيجة ضغوط سياسية وأمنية متصاعدة، خصوصًا من الولايات المتحدة وإسرائيل، وضع الحكومة اللبنانية أمام استحقاق بالغ الحساسية، في وقت ما تزال فيه الدولة تعاني هشاشة بنيوية وانقسامًا داخليًا عميقًا حول مفهوم السيادة وأدوات حمايتها.

ورغم إعلان الحكومة موافقتها المبدئية على استكمال هذه المرحلة قبل نهاية العام، إلا أن الواقع الميداني والسياسي لا يعكس تقدمًا ملموسًا، فلا توجد آليات واضحة، ولا جدول زمني مُعلن، ولا توافق وطني جامع حول كيفية التعامل مع ملف بهذا الحجم، الأمر الذي جعل المهلة أقرب إلى عنوان ضغط سياسي منها إلى مسار عملي قابل للتنفيذ.

في المقابل، جاء موقف الحزب حاسمًا في رفضه أي التزام زمني مُسبق، ففي خطاب متلفز، وصف الأمين العام نعيم قاسم ما يجري بأنه «مشروع نزع سلاح» تقوده واشنطن وتل أبيب، مؤكدًا أن الدولة اللبنانية لا يمكن أن تتحول إلى أداة تنفيذية تخدم الأمن الإسرائيلي، هذا الموقف يعكس قناعة راسخة داخل الحزب بأن سلاحه ليس ملفًا داخليًا صرفًا، بل جزء من معادلة ردع إقليمية مرتبطة بالصراع مع إسرائيل.

شروط حزب الله


ويربط الحزب أي نقاش حول السلاح بجملة شروط، في مقدمتها وقف الهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية، إضافة إلى ملف الأسرى.

من وجهة نظره، لا يمكن الحديث عن نزع سلاح في ظل استمرار ما يعتبره احتلالًا وعدوانًا دائمًا، وهو طرح يجد صدى لدى شريحة من اللبنانيين، ويقابَل برفض قاطع من قوى سياسية أخرى ترى أن استمرار السلاح خارج إطار الدولة يكرّس الانقسام ويُبقي لبنان رهينة لصراعات لا طاقة له بها.

هذا السجال يأتي في سياق إقليمي شديد التعقيد، فمنذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023، دخل حزب الله وإسرائيل في مواجهة موازية منخفضة الحدة لكنها عالية الكلفة، أسهمت في استنزاف الطرفين، وقلّصت هامش المناورة لدى داعميهما، وفي مقدمتهم إيران.

ورغم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024 بين لبنان وإسرائيل، برعاية خمس دول من بينها واشنطن، إلا أن هذا الاتفاق بقي هشًا، ولم يتحول إلى تهدئة مستدامة.


تمديد المهلة


فالجيش الإسرائيلي يواصل شن ضربات شبه يومية داخل الأراضي اللبنانية، بذريعة تقليص قدرات الحزب ومنع إعادة تموضعه عسكريًا. هذه الضربات لا تهدد فقط الاستقرار الأمني، بل تُضعف أي فرصة لنقاش داخلي هادئ حول مستقبل السلاح، وتضع الحكومة اللبنانية في موقع العاجز عن فرض سيادتها أو حماية أراضيها.

في هذا السياق، تبدو المهلة المحددة لنزع السلاح وكأنها اختبار سياسي أكثر منها خطوة تنفيذية. ففشل الالتزام بها قد يفتح الباب أمام تصعيد دبلوماسي أو أمني، وربما عقوبات إضافية، في حين أن محاولة فرضها بالقوة قد تدفع البلاد إلى مواجهة داخلية أو حرب مفتوحة مع إسرائيل. كلا الخيارين يحمل مخاطر وجودية على بلد لم يتعافَ بعد من أزماته المالية والاجتماعية.

السيناريو الأكثر ترجيحًا، وفق مراقبين، هو تمديد غير معلن للمهلة، أو القفز فوقها بصيغة سياسية ضبابية تحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف. لكن هذا الحل المؤقت لا يعالج جوهر الأزمة، بل يؤجلها فقط. فملف السلاح سيظل قنبلة موقوتة، ما لم يُدمج ضمن رؤية وطنية شاملة تعيد تعريف مفهوم الدفاع، ودور الدولة، وعلاقة لبنان بمحيطه الإقليمي.