من معارض تاريخي إلى واجهة لجبهة الإخوان.. من هو أحمد نجيب الشابي؟ 

من معارض تاريخي إلى واجهة لجبهة الإخوان.. من هو أحمد نجيب الشابي؟ 

من معارض تاريخي إلى واجهة لجبهة الإخوان.. من هو أحمد نجيب الشابي؟ 
أحمد نجيب الشابي

في لحظة فارقة من مسار سياسي وقضائي معقد، اختار القضاء التونسي أن يغلق بابًا ظل مفتوحًا لسنوات أمام محاولات الطعن والتشكيك، مُثبتًا أن معركة الدولة مع شبكات التآمر لا تُدار بالشعارات ولا بالضغوط السياسية، بل بأحكام تصدر باسم القانون.

 قرار محكمة الاستئناف برفض الطعن المقدم من أحمد نجيب الشابي، رئيس جبهة الخلاص، لم يكن مجرد إجراء إجرائي، بل رسالة سياسية وقانونية مزدوجة: الأولى تؤكد أن القضاء ماضٍ في تفكيك قضايا التآمر على أمن الدولة، والثانية تُنهي مرحلة كان يُراد فيها تحويل المحاكم إلى منصات للصراع السياسي.

 بين قاعة المحكمة ودعوات التظاهر الخجولة، بدا المشهد واضحًا: نفوذ قديم يتآكل، وخطاب لم يعد يجد صدى في الشارع، وسلطة قضائية تحاول استعادة دورها كحائط صد أمام محاولات الالتفاف على الدولة.

تراجع شعبي


أسدلت الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الإرهاب لدى محكمة الاستئناف بتونس الستار على أحد فصول قضية «التآمر على أمن الدولة 1»، بعدما قررت رفض الطعن المقدم من أحمد نجيب الشابي شكلًا، مؤكدة الحكم الصادر بحقه بالسجن لمدة 12 عامًا، القرار، الذي أُعلن عبر وكالة الأنباء التونسية الرسمية، جاء ليُكرّس مسارًا قضائيًا بدأ منذ أشهر، ويعكس تشددًا واضحًا في التعامل مع القضايا المصنفة ضمن تهديد الأمن الداخلي.

الجلسة القضائية تزامنت مع دعوات أطلقتها جبهة الخلاص للتظاهر أمام مقر محكمة الاستئناف في العاصمة تونس، في محاولة للضغط المعنوي وإعادة تدوير خطاب «المظلومية السياسية». 

غير أن الحضور المحدود، الذي اقتصر على أنصار تيارات إسلامية وعائلات المتهمين، كشف حجم التراجع الشعبي للجبهة، وأظهر أن الشارع التونسي بات أقل قابلية للانخراط في معارك تُدار خارج همومه اليومية.

وكانت السلطات التونسية قد نفذت، في الرابع من ديسمبر الجاري، قرار إيقاف الشابي، تنفيذًا للحكم الصادر في 29 نوفمبر، ضمن سلسلة أحكام استئنافية شملت قيادات منتمية أو متحالفة مع جماعة الإخوان.

 هذه الأحكام تراوحت بين عشر سنوات و45 عامًا سجنًا للمتهمين الموقوفين، بينما صدرت أحكام متفاوتة بحق متهمين في حالة سراح أو فرار، مع إقرار غرامات مالية ومصادرة أموال مودعة في مؤسسات مالية تونسية، في خطوة تعكس بعدًا ماليًا لا يقل أهمية عن البعد الأمني في هذه القضايا.

الأمن أولًا


سياسيًا، يرى مراقبون أن هذه الأحكام تمثل تتويجًا لمرحلة «الأمن أولًا»، التي رفعتها الدولة التونسية عنوانًا لإعادة ترتيب المشهد بعد سنوات من الفوضى السياسية وتداخل السلطة مع التنظيمات الحزبية. ويقول الناشط السياسي التونسي خالد بالطاهر إن رفض طعن الشابي جاء نتيجة «تورطه وفق معطيات ملف ثقيل»، مشيرًا إلى أن جزءًا من القيادات السياسية المحسوبة على الإخوان وحلفائهم حاول، مع مطلع 2023، استعادة الحكم عبر مسارات وصفتها التحقيقات بمحاولات قلب نظام الحكم.

من هذا المنظور، تُقدَّم جبهة الخلاص باعتبارها واجهة سياسية أعادت تجميع بقايا منظومة حكم سابقة، حكمت البلاد طوال عقد كامل، وانتهى بها الأمر بين السجون أو العزلة السياسية. 

خطاب الجبهة، القائم على نفي التهم والتشكيك في القضاء، لم يعد يجد قبولًا واسعًا، في ظل ذاكرة جماعية مثقلة بأزمات اقتصادية واجتماعية وأمنية حمّلت تلك المنظومة مسؤولية جزء كبير منها.

من هو؟


أما أحمد نجيب الشابي، فهو شخصية سياسية ذات مسار متقلب. جمع في أطروحاته بين القومية والاشتراكية، وعُرف بمعارضته الشرسة لنظامي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.

وُلد في 30 يوليو 1944 بالعاصمة تونس، ونشأ في بيئة سياسية متأثرة بصراع بورقيبة وصالح بن يوسف، أسهم في تأسيس الحزب الديمقراطي التقدمي، وتولى رئاسته لسنوات، كما لعب دورًا إعلاميًا معارضًا من خلال صحيفة «الموقف».

غير أن التحول الأبرز في مسيرته كان تحالفه المبكر مع حركة النهضة منذ عام 2005، عبر «تحالف 18 أكتوبر»، الذي مثّل نقطة مفصلية في تطبيع علاقة التيار الإخواني بجزء من النخبة السياسية والمجتمعية. 

وبعد 2011، وجد الشابي نفسه خارج حسابات السلطة الجديدة، بعدما فضّلت النهضة دعم المنصف المرزوقي لرئاسة الجمهورية، قبل أن تتوتر العلاقة ثم تعود للدفء عقب إجراءات 25 يوليو 2021 التي أعلنها الرئيس قيس سعيد.

اليوم، تضم جبهة الخلاص نحو عشرة مكونات سياسية، من بينها حركة النهضة، وقلب تونس، وائتلاف الكرامة، وحراك تونس الإرادة المرتبط بالرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، إلى جانب تنظيمات أخرى.

 وهي ذات الكيانات التي كانت ممثلة في البرلمان المنحل عام 2022، وتلاحق عددًا من قياداتها اتهامات تتعلق بالفساد وتمويل الإرهاب وغسل الأموال.

في المحصلة، لا يبدو قرار رفض الطعن مجرد حكم قضائي معزول، بل محطة ضمن مسار أوسع تسعى فيه الدولة التونسية إلى إعادة تعريف العلاقة بين السياسة والقضاء، وإغلاق ما تصفه بـ بوابات التآمر، في وقت تُراهن فيه السلطة على أن الحسم القانوني قد يكون شرطًا ضروريًا، وإن لم يكن كافيًا، لاستعادة الاستقرار.