العدوان لا يتوقف في غزة: قصف على خيام النازحين يعيد عدّاد الضحايا إلى الارتفاع
العدوان لا يتوقف في غزة: قصف على خيام النازحين يعيد عدّاد الضحايا إلى الارتفاع
عندما أُعلن عن وقف إطلاق النار قبل أشهر، بدا وكأن غزة تقترب ـ ولو مؤقتًا ـ من استراحة نادرة بعد حرب طويلة أنهكت البشر والحجر، لكن واقع الميدان لم يعترف كثيرًا بالاتفاقات المكتوبة، فالمواجهات بقيت تحت الرماد، تتحول من معارك واسعة إلى اشتباكات موضعية وغارات متقطعة، ومع كل حادث أمني، يعود القطاع إلى دائرة الدم نفسها التي لم تغادره منذ سنوات، فجر الأربعاء أعاد المشهد نفسه بصورة أكثر قسوة خيام نازحين تتحول إلى أهداف، وأحياء مدمرة أصلًا تتلقى جولة جديدة من القصف، بينما تتبادل الأطراف روايات الهجوم والدفاع، وبين رواية عسكرية إسرائيلية تتحدث عن اشتباك مع مسلحين، ومصادر طبية فلسطينية توثق سقوط ضحايا مدنيين، تبدو الهدنة أقرب إلى هدنة اسمية لا أكثر، الحدث لم يكن مجرد رقم جديد في سجل القتلى، بل مؤشرًا على مرحلة انتقالية في الصراع، لا حرب شاملة، ولا سلام فعلي.
تصعيد إسرائيلي جديد
شهد قطاع غزة صباح الأربعاء تصعيدًا عسكريًا جديدًا أسفر عن مقتل 18 فلسطينيًا وإصابة آخرين، وفق مصادر طبية محلية، بعدما استهدفت المدفعية الإسرائيلية مناطق متفرقة في القطاع، أبرزها أحياء الزيتون والتفاح شرق مدينة غزة، إضافة إلى منطقة قيزان رشوان جنوبي خانيونس.
المعطيات الميدانية تشير إلى أن القصف طال خيامًا تؤوي نازحين، وهي ظاهرة باتت سمة شبه دائمة منذ تراجع العمليات البرية الواسعة، فبعد انتهاء المرحلة الكبرى من الحرب، تغيّر نمط القتال إلى ما يشبه حرب الاستنزاف المحدودة، حيث تعتمد إسرائيل على الضربات الموضعية والاستخبارات الميدانية، بينما تنفذ الفصائل عمليات إطلاق نار متفرقة أو كمائن قصيرة.
الجيش الإسرائيلي أعلن من جانبه إصابة ضابط بجروح خطيرة نتيجة إطلاق نار شمال القطاع ليل الثلاثاء، موضحًا أن قواته تعرضت لهجوم من مسلحين قرب الخط الفاصل بين مناطق السيطرة، قبل أن ترد الدبابات بإطلاق النار وتنفذ الطائرات غارات جوية.
هذه الصيغة العسكرية توضح طبيعة المرحلة الحالية، احتكاك يومي منخفض الحدة لكنه دائم، لا يسمح بعودة الحياة الطبيعية ولا يؤدي إلى حرب شاملة.
الهدنة التي تحولت إلى مرحلة رمادية
منذ بدء تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، قُتل أكثر من 529 فلسطينيًا وأصيب أكثر من 1460 آخرين، وفق بيانات فلسطينية رسمية.
هذه الأرقام تكشف أن الاتفاق لم ينهِ القتال بل أعاد تشكيله، فبدل المواجهة المفتوحة، بات القطاع يعيش حالة اللا حرب واللا سلم، وهي مرحلة عادة ما تكون الأطول في النزاعات الحديثة.
في هذه المرحلة تعتمد إسرائيل استراتيجية الضغط الأمني المستمر، منع إعادة بناء القدرات العسكرية للفصائل، وتوسيع نطاق السيطرة النارية دون احتلال مباشر، وإبقاء التهديد قائمًا لتفادي عودة هجوم واسع
في المقابل، تحاول الفصائل الفلسطينية تثبيت معادلة الرد المحدود، أي تنفيذ عمليات صغيرة تذكّر بوجودها دون الانجرار إلى مواجهة شاملة لا تملك ظروفها.
استهداف الخيام
القصف الذي طال خيام النازحين يعكس إحدى أكثر إشكاليات الحرب تعقيدًا: اختلاط المقاتلين بالمدنيين في مساحة حضرية كثيفة، القطاع اليوم لا يملك جبهات واضحة؛ فالمناطق السكنية تحولت إلى نقاط احتكاك أمنية، ما يجعل أي اشتباك سريع التحول إلى خسائر مدنية
بالنسبة لإسرائيل، فإن العمليات المحدودة تهدف إلى ضرب خلايا مسلحة محددة اعتمادًا على معلومات استخباراتية، أما على الأرض، فإن نتائج الضربات غالبًا ما تصيب تجمعات مدنية بسبب الكثافة السكانية العالية ونزوح مئات الآلاف إلى مناطق محدودة.
هذا التناقض هو ما يجعل كل حادثة قصف تحمل روايتين متوازيتين، رواية عسكرية استهداف مسلحين، ورواية إنسانية سقوط مدنيين
الضفة الغربية.. جبهة موازية
في الوقت نفسه، شهدت الضفة الغربية حادثة منفصلة في أريحا، حيث قُتل شاب فلسطيني وأصيب آخرون خلال عملية عسكرية إسرائيلية بعد رشق قوات بالحجارة بحسب الرواية الإسرائيلية.
اللافت أن تزامن الأحداث في غزة والضفة بات نمطًا ثابتًا؛ فكل تصعيد في القطاع ينعكس توترًا في الضفة، والعكس صحيح.
هذا الترابط يوضح أن الصراع لم يعد ساحة واحدة بل منظومة جغرافية متصلة أمنيًا، ما يجعل أي تهدئة محلية هشّة بطبيعتها.
الاشتباك الأخير لا يشير إلى انهيار كامل للهدنة، لكنه يؤكد تحولها إلى إدارة صراع بدل إنهائه.
فالطرفان لا يريدان حربًا واسعة الآن، لكنهما غير قادرين أيضًا على تثبيت هدوء طويل.
والنتيجة ضربات محدودة متكررة، وارتفاع تدريجي في الضحايا، وتوتر دائم قابل للانفجار
بمعنى آخر، غزة دخلت مرحلة الاحتكاك المزمن، وهي أخطر من الحرب القصيرة، لأنها تطيل أمد المعاناة دون أن تخلق لحظة حاسمة تنهيها.

العرب مباشر
الكلمات