بملابس الحرس الثوري تحت قبة البرلمان.. إيران تصنف جيوش أوروبا «منظمات إرهابية»
بملابس الحرس الثوري تحت قبة البرلمان.. إيران تصنف جيوش أوروبا «منظمات إرهابية»
لم يكن المشهد الذي خرج من قاعة البرلمان الإيراني عاديًا أو عابرًا. نواب يرتدون زيّ الحرس الثوري، لافتات مرفوعة، ورسائل سياسية مقصودة تتجاوز حدود البروتوكول البرلماني إلى قلب الاشتباك المفتوح بين طهران والعواصم الأوروبية.
في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، اختارت إيران أن ترد على قرار الاتحاد الأوروبي إدراج الحرس الثوري ضمن قائمة «المنظمات الإرهابية» بخطوة مضادة، تحمل في طياتها دلالات رمزية وقانونية وسياسية معقدة، هذا الرد، الذي جاء في صيغة تشريعية، لا يعكس فقط حالة الغضب الإيراني، بل يكشف أيضًا عن انتقال التوتر مع أوروبا من مربع الإدانة الدبلوماسية إلى مربع التصعيد المتبادل.
وبينما تبرر بروكسل قرارها بسجل القمع الداخلي في إيران، ترى طهران أن الخطوة الأوروبية ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة استهداف سياسي تقوده واشنطن وتل أبيب. هكذا، يتحول البرلمان الإيراني إلى منصة مواجهة، لا تقل حدة عن ساحات الصراع الإقليمي.
نواب في زي الحرس الثوري
في جلسة علنية لافتة من حيث الشكل والمضمون، صوّت البرلمان الإيراني، الأحد، على تصنيف الجيوش الأوروبية كـ«منظمات إرهابية»، في خطوة جاءت ردًا مباشرًا على قرار الاتحاد الأوروبي إدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمته السوداء.
ولم يقتصر المشهد على القرار وحده، بل اكتسى بطابع رمزي واضح، إذ ارتدى النواب الإيرانيون زيّ الحرس الثوري، ورفعت في القاعة لافتة تؤكد أن «حرس الثورة أكبر منظمة لمكافحة الإرهاب في العالم»، إلى جانب رفع علم الحرس داخل البرلمان.
هذا المشهد لم يكن مجرد استعراض داخلي، بل رسالة سياسية موجهة إلى الخارج، مفادها أن إيران تعتبر المساس بالحرس الثوري مساسًا بجوهر النظام السياسي والأمني للدولة، فالحرس، الذي يشكّل عمودًا فقريًا في العقيدة الدفاعية الإيرانية، لا ينظر إليه داخليًا كقوة عسكرية فحسب، بل كمؤسسة ثورية لها امتدادات سياسية واقتصادية وإقليمية.
التدابير المضادة
رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، أوضح خلال الجلسة، أن القرار يستند إلى المادة السابعة من قانون «التدابير المضادة» الخاص بتصنيف فيلق الحرس الثوري منظمة إرهابية، معتبرًا أن هذه المادة تتيح لإيران اتخاذ خطوات مماثلة بحق الأطراف التي تستهدف مؤسساتها السيادية، وبذلك، فإن تصنيف الجيوش الأوروبية يأتي – وفق الرواية الإيرانية – في إطار رد قانوني على ما تصفه طهران بـ«العدوان التشريعي» الأوروبي.
الخطوة الإيرانية جاءت بعد أيام من إعلان الاتحاد الأوروبي قراره المثير للجدل، والذي استند إلى اتهام الحرس الثوري بالضلوع في حملة قمع عنيفة للاحتجاجات الداخلية الأخيرة، ولم يكتفِ الاتحاد بإدراج الحرس على قائمة الإرهاب، بل أقر أيضًا حزمة عقوبات شملت حظر التأشيرات وتجميد الأصول بحق 21 مسؤولًا وكيانًا إيرانيًا، من بينهم وزير الداخلية إسکندر مؤمني.
خطأ استراتيجي كبير
من وجهة نظر بروكسل، فإن القرار يندرج ضمن سياسة «المساءلة الحقوقية»، ويهدف إلى الضغط على طهران لوقف ما تعتبره انتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان، غير أن طهران ترى في الخطوة تجاوزًا خطيرًا للأعراف الدولية، وتدخلاً سافرًا في شؤونها الداخلية، ومحاولة لتجريم أحد أركان الدولة الإيرانية.
وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، كان من أوائل المسؤولين الذين ردوا على القرار الأوروبي، واصفًا إياه بـ«الخطأ الاستراتيجي الكبير»، وفي لهجة تصعيدية، اعتبر أن أوروبا، بدلًا من المساهمة في خفض التوترات الإقليمية، تسهم في تأجيج الصراع، في وقت تسعى فيه أطراف دولية عدة لتفادي اندلاع حرب شاملة في الشرق الأوسط.
أما القوات المسلحة الإيرانية، فقد ذهبت أبعد من ذلك، إذ وصفت القرار الأوروبي بأنه «غير منطقي وغير مسؤول»، ويعكس «عمق العداء» الذي يكنّه الاتحاد الأوروبي لإيران، وفي بيان شديد اللهجة، حمّلت طهران أوروبا مسؤولية «العواقب الوخيمة» المترتبة على هذا القرار، معتبرة أنه جاء استجابة لرغبات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
مسار صدامي
هذا التصعيد المتبادل يفتح الباب أمام جملة من التساؤلات حول مستقبل العلاقات الإيرانية–الأوروبية. فمنذ سنوات، تشهد هذه العلاقات تآكلًا تدريجيًا، بدأ مع تعثر الاتفاق النووي، وتفاقم مع العقوبات الأمريكية، ثم تعمّق على خلفية الملفات الإقليمية وحقوق الإنسان، واليوم، يبدو أن إدراج الحرس الثوري وتصنيف الجيوش الأوروبية يضعان الطرفين على مسار أكثر تصادمًا.
سياسيًا، يحمل القرار الإيراني طابعًا رمزيًا أكثر منه عمليًا، إذ إن توصيف «الجيوش الأوروبية» كمنظمات إرهابية لا يغير موازين القوى العسكرية، لكنه يعكس رغبة طهران في تثبيت معادلة «الرد بالمثل»، وعدم ترك أي خطوة دون ثمن سياسي، كما يخدم القرار خطاب التعبئة الداخلية، عبر تصوير المواجهة مع أوروبا كجزء من
معركة أوسع ضد «الهيمنة الغربية».
في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام معضلة، فالتصعيد مع إيران قد يزيد من تعقيد ملفات حساسة، مثل أمن الطاقة، والملاحة في الخليج، والتهدئة الإقليمية، في وقت تواجه فيه القارة تحديات داخلية وخارجية متزايدة.
وبين التصعيد الإيراني والضغط الأوروبي، يلوح في الأفق مشهد مواجهة سياسية مفتوحة، قد تتجاوز إطار العقوبات والتصريحات، لتطال توازنات أوسع في الإقليم.

العرب مباشر
الكلمات