نوري المالكي.. عودة الرجل الذي لم يغادر المشهد
نوري المالكي.. عودة الرجل الذي لم يغادر المشهد
في السياسة العراقية، لا تختفي الأسماء الثقيلة بسهولة، بل تميل إلى التواري المؤقت بانتظار لحظة مناسبة للعودة.. نوري المالكي واحد من تلك الشخصيات التي لا تُقرأ بمعزل عن تاريخ العراق بعد 2003، ولا عن تعقيدات السلطة في بلد يتقاطع فيه الأمن بالطائفة، والدولة بالفصائل، والتجربة الشخصية بالتحولات الإقليمية. مع مطلع عام 2026، عاد المالكي إلى الواجهة مرشحًا لرئاسة الحكومة، في لحظة سياسية حساسة تعيد فتح أسئلة قديمة، هل هو رجل خبرة أم رمز مرحلة مأزومة، وهل تمثل عودته استمرارية للنظام السياسي أم محاولة لإعادة ضبطه من الداخل؟
من الجذور إلى المنفى
وُلد نوري كامل محمد حسن المالكي عام 1950 في قضاء طوريج بمحافظة كربلاء، في بيئة دينية واجتماعية مشبعة بالسياسة والذاكرة الوطنية.
ينحدر من عائلة ذات حضور رمزي في التاريخ العراقي، فهو حفيد محمد حسن أبي المحاسن، أحد وجوه ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني، ما منح سيرته المبكرة بُعدًا رمزيًا يتجاوز حدود الجغرافيا المحلية. هذا الإرث، الممتزج بالدراسة الأكاديمية في العلوم الإسلامية ثم اللغة العربية، أسهم في تشكيل شخصية تجمع بين الخطاب العقائدي والقدرة الخطابية.
انضم المالكي إلى حزب الدعوة الإسلامية عام 1970، في مرحلة كان فيها الانتماء السياسي مخاطرة وجودية. ومع اشتداد قبضة نظام صدام حسين، وجد نفسه مطاردًا ومحكومًا بالإعدام، ليغادر العراق عام 1979 نحو منفى طويل امتد 24 عامًا بين إيران وسوريا.
في تلك السنوات، لم يكن المالكي مجرد لاجئ سياسي، بل ناشطًا حزبيًا يعمل في الظل، مستخدمًا اسمه الحركي «جواد المالكي»، ومشاركًا في إعادة تنظيم الحزب وبناء شبكات علاقات إقليمية ستصبح لاحقًا جزءًا من رصيده السياسي.
الصعود إلى قمة السلطة
بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، عاد المالكي إلى العراق ضمن موجة عودة المعارضين التاريخيين. غير أن صعوده لم يكن فوريًا، فقد احتاج إلى سنوات من العمل داخل التوازنات الجديدة، قبل أن يصل إلى رئاسة الحكومة عام 2006 في واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ العراق الحديث.
ولايته الأولى (2006–2010) شكّلت ذروة صورته كرجل دولة حازم، خاصة مع إطلاقه عملية «صولة الفرسان» التي هدفت إلى فرض سلطة الدولة ومواجهة الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون.
في تلك المرحلة، قدّم المالكي نفسه بوصفه رئيس حكومة يسعى لإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة المركزية، وارتبط اسمه بقرار إعدام صدام حسين، وهو قرار حمل أبعادًا سياسية ورمزية عميقة داخل العراق وخارجه، تمكن من تثبيت موقعه لاعبًا أساسيًا في المشهد، جامعًا بين الدعم الحزبي والتحالفات البرلمانية، ومقدمًا نفسه شريكًا ضروريًا للقوى الإقليمية والدولية الباحثة عن الاستقرار.
الجدل والعودة
غير أن الولاية الثانية (2010–2014) كشفت الوجه الأكثر إشكالية في تجربة المالكي. فقد شهدت تلك السنوات تصاعدًا في التوترات الطائفية، واتساع فجوة الثقة بين الحكومة ومكونات اجتماعية وسياسية واسعة، وصولًا إلى سقوط محافظات رئيسية، أبرزها الموصل، بيد تنظيم «داعش»، هذه التطورات شكّلت نقطة تحول حاسمة، إذ ترافقت مع ضغوط داخلية وخارجية حالت دون تجديد ولايته، ودفعت به إلى التراجع خطوة إلى الخلف دون الخروج من اللعبة.
منذ ذلك الحين، حافظ المالكي على حضوره كزعيم لائتلاف «دولة القانون»، وفاعل مؤثر داخل الإطار التنسيقي، منتظرًا لحظة سياسية مواتية، ومع إعلان الإطار مطلع 2026 ترشيحه رسميًا لرئاسة الحكومة بوصفه مرشح «الكتلة النيابية الأكبر»، بدا أن تلك اللحظة قد حانت، دعم الترشيح من قوى شيعية رئيسية، وتهنئة رئيس الجمهورية عبد اللطيف جمال رشيد، أعادا المالكي إلى قلب النقاش الوطني.
اليوم، تقف عودة نوري المالكي عند مفترق طرق، فأنصاره يرون فيه سياسيًا مخضرمًا يمتلك خبرة إدارة الدولة في أوقات الأزمات، بينما يعتبره منتقدوه عنوانًا لمرحلة أخفقت في بناء توافق وطني مستدام، بين هذين الرأيين، يظل السؤال مفتوحًا: هل تمثل عودته محاولة لإعادة إنتاج الماضي، أم فرصة أخيرة لإعادة تعريف دوره في عراق تغيّر كثيرًا منذ أن غادر رئاسة الحكومة قبل أكثر من عقد؟

العرب مباشر
الكلمات