حزب الله ينهي "الحياد" ويستعد عسكريًا للدفاع عن إيران
حزب الله ينهي "الحياد" ويستعد عسكريًا للدفاع عن إيران
في خضم تصعيد جيوسياسي غير مسبوق يلقي بظلاله القاتمة على منطقة الشرق الأوسط في مطلع عام 2026، عاد التوتر ليحكم المشهد الإقليمي مع تواتر الأنباء عن تحضيرات عسكرية إسرائيلية أمريكية مشتركة لتوجيه ضربة محتملة لإيران. هذا التطور وضع "حزب الله" اللبناني أمام اختبار وجودي جديد، حيث يقف أمينه العام، نعيم قاسم، أمام خيارات أحلاها مرّ، وبينما تترقب العواصم الدولية رد فعل الجماعة المسلحة، يعكس الصمت الحذر والرسائل المبطنة التي تخرج من الضاحية الجنوبية واقعًا جديدًا فرضته تداعيات صراع عام 2024 المدمر، والضغوط المتزايدة على الدولة اللبنانية لنزع فتيل التفجير بنزع سلاح الحزب. مصادر أكدت أن الحزب يحاول تنظيم صفوفه للدفاع عن إيران في حال تعرضها لضربة أمريكية - إسرائيلية.
رسائل التحذير وغموض الموقف
يواجه حزب الله في هذه المرحلة الدقيقة معضلة استراتيجية مركبة تتجاوز في تعقيداتها المواجهات السابقة. فمع إعلان الجماعة رصدها لاستعدادات هجومية إسرائيلية وأمريكية ضد طهران، جاء موقف الأمين العام نعيم قاسم ضبابيًا ومحملًا بالغموض البناء، حيث امتنع صراحة عن تأكيد أو نفي انخراط جماعته في الدفاع عن الحليف الإيراني.
هذا الغموض لا ينبع فقط من تكتيكات المناورة العسكرية، بل يعكس قلقًا حقيقيًا عززته رسائل وساطة دبلوماسية وصلت إلى قيادة الحزب، تفيد بأن الجماعة نفسها قد تكون هدفًا مباشرًا وموازيًا لأي ضربة توجه لطهران، وليست مجرد طرف مساند.
إن تصريحات قاسم التي تضمنت الإشارة إلى هذه "التحذيرات" تشي بأن الحزب يقرأ المشهد الحالي بوصفه تهديدًا وجوديًا شاملًا وليس مجرد جولة تصعيد محدودة، مما يجعل قرار "وحدة الساحات" الذي طالما تغنى به الحزب سابقًا، قرارًا محفوفًا بمخاطر قد تنهي ما تبقى من قدرات الجماعة العسكرية والتنظيمية في حال أقدمت على خطوة غير محسوبة بدقة في مواجهة تحالف دولي عازم.
استعدادات حزب الله
من جانبه، كشف مصدر لبناني وثيق الصلة بالدوائر الضيقة لصنع القرار في "حزب الله"، أن ما يبديه الأمين العام نعيم قاسم من غموض دبلوماسي ليس سوى "تكتيك خداع استراتيجي" يهدف لتعمية العيون عن تحركات ميدانية حثيثة تجري على قدم وساق.
وأكد المصدر، أن قيادة الحزب قد أصدرت بالفعل تعميمات سرية للوحدات الصاروخية الاستراتيجية – وتحديدًا تلك التي نجت من الترسانة التي دُمرت في حرب 2024 – برفع الجهوزية إلى الدرجة القصوى، استعدادًا للدفاع عن طهران في حال تجاوز الهجوم الإسرائيلي الأمريكي "الخطوط الحمراء" التي تهدد بقاء النظام الإيراني.
وأضاف المصدر لـ"العرب مباشر": أن الحسابات الداخلية للحزب تخلصت إلى قناعة مفادها أن "الحياد" الذي تم إظهاره في يونيو الماضي لم يعد مجديًا، لأن القضاء على المركز (إيران) يعني حكمًا نهاية الأطراف، بغض النظر عن حالة الضعف الحالية.
وأشار المصدر إلى أن الاستعدادات تشمل تجهيز منصات إطلاق صواريخ دقيقة من مخابئ مستحدثة في السلاسل الجبلية الوعرة، وتفعيل وحدات الطائرات المسيرة الانتحارية، لافتًا إلى أن الحزب يدرك تمامًا أن هذه الخطوة قد تكون "المعركة الأخيرة" له، لكنه يفضل خوضها بقرار ذاتي بدلاً من انتظاره ليُذبح منفردًا بعد سقوط الحليف الإيراني، معتبرًا أن التحذيرات الغربية للحزب ليست سوى محاولة لتحييده للاستفراد بطهران، وهو فخ لن تقع فيه القيادة مرة أخرى، بحسب تعبير المصدر.
تآكل الردع وسابقة "يونيو"
الحزب ما يزال يلملم جراحه العميقة التي خلفتها الحرب الطويلة والمدمرة مع إسرائيل في عام 2024، والتي أدت إلى إضعاف بنيته التحتية العسكرية والبشرية بشكل كبير، مما أفقده جزءًا واسعًا من قوة الردع التي كان يتباهى بها، هذا الضعف الهيكلي تجلى بوضوح في "سابقة يونيو" من العام الماضي، عندما اختار الحزب البقاء على الهامش والنأي بالنفس خلال جولة الصراع التي اندلعت آنذاك بين إسرائيل وإيران.
هذا السلوك "البراغماتي" الذي انتهجه الحزب مؤخرًا يشير إلى تحول جوهري في أولوياته، حيث بات الحفاظ على بقاء التنظيم وترميم صفوفه الداخلية يتقدم على الالتزامات الأيديولوجية تجاه طهران.
وبالتالي، فإن تكرار سيناريو الحياد في الأزمة الحالية يبدو خيارًا مطروحًا بقوة على طاولة نعيم قاسم، خاصة وأن الدخول في حرب مفتوحة الآن بجيش منهك قد يكون بمثابة "انتحار عسكري" للجماعة.
ضغوط نزع السلاح
بعيدًا عن الحسابات العسكرية الميدانية، يجد حزب الله نفسه محاصرًا سياسيًا أكثر من أي وقت مضى داخل الساحة اللبنانية، فالحكومة في بيروت تواجه ضغوطًا هائلة وغير مسبوقة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، تهدف بشكل مباشر إلى تطبيق القرارات الدولية المتعلقة بنزع سلاح الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة، هذه الضغوط لم تعد مجرد مناشدات دبلوماسية، بل تحولت إلى تهديدات بفرض عزلة كاملة على لبنان أو استهدافه كدولة في حال استمر الحزب في استخدام الأراضي اللبنانية منصة لعملياته.
هذا الواقع يضع الحزب في مواجهة، ليس فقط مع الخارج، بل مع الداخل اللبناني المنهك اقتصاديًا والذي يخشى أن يدفع ثمن مغامرة إقليمية جديدة. إن تزامن التهديد الخارجي بضربة عسكرية مع الضغط الداخلي لنزع السلاح يضع قيادة الحزب في الزاوية، ويجعل من هامش المناورة لديها ضيقًا للغاية، حيث أي خطوة باتجاه التصعيد قد تسرع من وتيرة التحركات الدولية والداخلية لإنهاء الحالة العسكرية للحزب بشكل نهائي.

العرب مباشر
الكلمات