"من هي هدى شعراوي؟".. مسيرة صامتة تنتهي بجريمة تهز دمشق
"من هي هدى شعراوي؟".. مسيرة صامتة تنتهي بجريمة تهز دمشق
لم تستفق دمشق فجر اليوم على خبر وفاة عادية، بل على جريمة هزّت وجدان الوسط الفني والرأي العام معًا. داخل منزلها، وُجدت الفنانة السورية هدى شعراوي، المعروفة بدور “أم زكي” في باب الحارة، مقتولة في ظروف وصفت بالمأساوية، بعد أن تعرّضت لضربة غادرة بـ“مدقة هاون”، وفق ما كشفته التحقيقات الأولية.
تفاصيل الحادث، التي تشير إلى تورط خادمتها الخاصة واستغلالها ثقة الفنانة قبل الفرار، أضفت على الرحيل صدمة مضاعفة، نهاية دامية لمسيرة فنية امتدت لعقود، فلم تكن هدى شعراوي نجمة صاخبة، ولا اسمًا يتصدر العناوين باستمرار، لكنها كانت واحدة من تلك الوجوه التي تتسلل بهدوء إلى ذاكرة المشاهد، وتستقر فيها طويلًا،
من هي؟
بدأت هدى شعراوي مسيرتها من حيث بدأ كثير من روّاد الفن السوري الإذاعة، في إذاعة دمشق، شكّل صوتها المميز بطاقة العبور الأولى إلى عالم الفن، في مرحلة كانت فيها الإذاعة المنصة الأهم لصناعة النجومية وبناء العلاقة مع الجمهور، قبل أن يصبح الدوبلاج صناعة قائمة بذاتها، كانت الأصوات النسائية القوية نادرة ومؤثرة، وهدى كانت واحدة من تلك الأصوات التي حملت النص وأضفت عليه عمقًا إنسانيًا.
هذه المرحلة لم تكن مجرد تدريب تقني، بل أسست لوعيها بالأداء، وضبط الإيقاع، والقدرة على التعبير دون الاعتماد على الصورة.
وهو ما انعكس لاحقًا على تمثيلها التلفزيوني، حيث بدت شخصياتها متماسكة، واضحة الملامح، حتى في الأدوار الثانوية، الإذاعة منحتها الصبر، والالتزام، واحترام النص، وهي سمات رافقتها طوال مسيرتها.
الصعود الهادئ وأدوار صنعت الذاكرة
مع انتقالها إلى الشاشة الصغيرة، لم تدخل هدى شعراوي سباق النجومية السريعة، بل اختارت مسارًا أكثر رسوخًا، شاركت في أعمال درامية متنوعة، لكن حضورها الأبرز ارتبط بمسلسل «باب الحارة»، حيث جسدت شخصية أم زكي، إحدى الشخصيات التي رسخت في الوعي الجمعي للمشاهد العربي.
لم يكن الدور بطولة مطلقة، لكنه كان كاشفًا لقدرتها على منح الشخصية أبعادًا اجتماعية ونفسية تتجاوز حدود النص.
إلى جانب ذلك، تنقلت بين أعمال مختلفة مثل «شارع شيكاغو» بدور أم رياض، و«الأراباجي» بدور حسيبة، فضلًا عن مشاركاتها في مسلسلات مثل بقعة ضوء، صالون زهرة، البقعة السوداء، زمن البرغوت، علية الملك وغيرها، هذا التنوع لم يكن اعتباطيًا، بل عكس مرونتها وقدرتها على التكيّف مع تحولات الدراما السورية، من الأعمال التراثية إلى الاجتماعية المعاصرة، ما ميز هدى شعراوي لم يكن كثافة الأدوار، بل نوعيتها، كانت قادرة على تجسيد المرأة القوية دون مبالغة، والمرأة الشعبية دون كاريكاتورية، ما جعل حضورها مقنعًا ومحببًا في آن واحد.
الإرث الفني والنهاية المفتوحة على الأسئلة
في سنواتها الأخيرة، واصلت هدى شعراوي العمل دون أن تفقد شغفها، وكان آخر ظهور لها في مسلسل «ليالي روكسي»، الذي تناول كواليس صناعة أول فيلم سينمائي سوري عام 1928، في ظل الاستعمار الفرنسي، العمل، الذي جمع نخبة من نجوم الدراما السورية، بدا كتحية متأخرة لجيل كامل من الفنانين الذين عاصروا التحولات الكبرى في الفن والمجتمع.
رحيلها المفاجئ، ألقى بظلاله على مسيرتها، لكنه لم يختزلها، فالقيمة الحقيقية لهدى شعراوي تكمن في كونها نموذجًا للفنانة التي اشتغلت بصمت، وراكمت حضورها عملًا بعد آخر، دون ادعاء أو ضجيج.

العرب مباشر
الكلمات