قناة خلفية جديدة بين طهران وواشنطن.. دبلوماسية الاختبار قبل المفاوضات الكبرى

قناة خلفية جديدة بين طهران وواشنطن.. دبلوماسية الاختبار قبل المفاوضات الكبرى

قناة خلفية جديدة بين طهران وواشنطن.. دبلوماسية الاختبار قبل المفاوضات الكبرى
إيران والولايات المتحدة

في لحظة إقليمية مثقلة بالتوترات المتراكمة والملفات المفتوحة، تعود قنوات التواصل غير المباشر بين إيران والولايات المتحدة إلى الواجهة، وسط مؤشرات متزايدة على اقتراب إطلاق جولة جديدة من المحادثات السياسية، ليست هذه العودة نتاج تهدئة شاملة بقدر ما هي انعكاس لحسابات دقيقة تحكم الطرفين في توقيت بالغ الحساسية، واشنطن تسعى لإعادة ضبط مسار أزماتها في الشرق الأوسط، وطهران تبحث عن هامش مناورة يخفف الضغوط الاقتصادية والسياسية المتصاعدة، وبين هذين المسارين، تتحرك عواصم إقليمية لمحاولة لعب دور الوسيط، مستفيدة من علاقات متوازنة مع الجانبين، ورغم غياب إعلان رسمي عن موعد أو مكان محددين، فإن التسريبات المتلاحقة ترسم ملامح أولية لمشهد تفاوضي معقد، يختبر النوايا قبل الخوض في التفاصيل، ويعيد طرح السؤال القديم المتجدد، هل نحن أمام اختراق حقيقي أم مجرد جسّ نبض سياسي مؤقت؟


التفاهم قبل المفاوضات الشاملة

كشفت تسريبات إعلامية إيرانية، خلال الأيام الماضية، عن اقتراب عقد محادثات مرتقبة بين إيران والولايات المتحدة، في خطوة تعكس تحركات هادئة خلف الكواليس لإعادة فتح مسار الحوار بين خصمين لطالما اتسمت علاقتهما بالتقلب والقطيعة. 

وبحسب ما تداولته مصادر قريبة من دوائر صنع القرار في طهران، فإن هذه المحادثات، إن انطلقت، ستكون على مستوى سياسي رفيع، بما يشير إلى رغبة الطرفين في اختبار إمكانية التفاهم دون الذهاب فورًا إلى مفاوضات شاملة.

على الجانب الأميركي، يتوقع أن يتولى وزير الخارجية ماركو روبيو، إلى جانب المبعوث الخاص للرئيس دونالد ترامب، ستيف ويتكوف، إدارة هذا المسار التفاوضي، اختيار هذين الاسمين لا يبدو عابرًا، إذ يعكس توجه الإدارة الأميركية إلى الجمع بين الدبلوماسية التقليدية والقنوات الخاصة التي اعتادت واشنطن استخدامها في الملفات المعقدة، ويتكوف، المعروف بقربه من الرئيس ترامب، يُنظر إليه كحلقة وصل مباشرة تتيح تمرير الرسائل السياسية الحساسة بسرعة ومرونة.

الغموض سيد الموقف

في المقابل، تشير المعطيات إلى أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي سيقود الوفد الإيراني، مدعومًا بفريق من الدبلوماسيين المخضرمين، من بينهم ماجد تخت روانجي وكاظم غريب آبادي، وهما اسمان ارتبطا سابقًا بالملف النووي الإيراني والتعامل مع المؤسسات الدولية، ويعكس هذا التشكيل حرص طهران على إدارة أي حوار محتمل بخبرة فنية وقانونية، خاصة إذا ما تطرق النقاش إلى البرنامج النووي أو العقوبات الدولية.

أما على صعيد المكان، فما يزال الغموض سيد الموقف، غير أن ترجيحات متداولة تشير إلى تركيا كأحد الخيارات المطروحة، مستندة إلى زيارة عراقجي الأخيرة لأنقرة، وإلى الدور الذي تحاول تركيا لعبه كوسيط إقليمي قادر على استضافة محادثات حساسة دون إثارة اعتراضات كبرى، مشاركة محتملة لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان في هذه اللقاءات، إن تأكدت، قد تضفي بعدًا إقليميًا إضافيًا على المحادثات، وتمنحها غطاءً سياسيًا أوسع.

ولا تقتصر خيارات الاستضافة على تركيا وحدها، إذ تتداول أوساط دبلوماسية أسماء دول أخرى في المنطقة قد تكون مقبولة للطرفين، في محاولة لتوفير بيئة تفاوضية محايدة نسبيًا، هذا التعدد في الخيارات يعكس، من جهة، عدم حسم القرار النهائي، ومن جهة أخرى، حساسية اختيار المكان في ضوء الحسابات السياسية والإعلامية المحيطة بأي لقاء مباشر أو غير مباشر بين واشنطن وطهران.

الجمود لم يعد خيارًا

اللافت في هذا السياق هو ما تردد عن توجيه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تعليمات ببدء محادثات مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي، وهو تطور يحمل دلالات سياسية مهمة، فمثل هذا القرار، إن صح، يعكس إدراكًا في طهران بأن استمرار الجمود لم يعد خيارًا مريحًا، في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات، وكذلك التحولات الإقليمية المتسارعة.

في المقابل، ترى واشنطن في هذه المحادثات فرصة لاحتواء التصعيد مع إيران، خاصة في ظل سعي إدارة ترامب إلى إنهاء الحرب على غزة وإعادة ترتيب أولوياتها في الشرق الأوسط.

 هذا المسار يفسر أيضًا التحركات المتزامنة للمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، الذي يُتوقع أن يزور إسرائيل لإجراء مشاورات مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وقيادة الجيش، في محاولة لطمأنة الحليف الإسرائيلي وإبقائه على اطلاع بمسار أي تواصل مع طهران.

غير أن هذه التحركات لا تعني بالضرورة اقتراب اتفاق شامل، فالمؤشرات الحالية توحي بأن الطرفين يفضلان البدء بمحادثات استكشافية، تهدف إلى قياس النوايا وتحديد الخطوط الحمراء، قبل الانتقال إلى ملفات أكثر تعقيدًا، كما أن البيئة الإقليمية المشحونة، من غزة إلى البحر الأحمر، تجعل أي تفاوض عرضة للتأثر بالتطورات الميدانية المفاجئة.