نابغ القطميش من الظلّ إلى القفص.. سيرة العقل العسكري في ولاية الشام

نابغ القطميش من الظلّ إلى القفص.. سيرة العقل العسكري في ولاية الشام

نابغ القطميش من الظلّ إلى القفص.. سيرة العقل العسكري في ولاية الشام
نابغ القطميش

في تنظيمات مثل داعش، لا تصنع الشهرة من الخطابات ولا من الظهور الإعلامي، بل من عدد الجثث التي تتركها خلفك دون أن يراك أحد، نابغ القطميش، المعروف بلقب "جابر"، لم يكن وجهًا دعائيًا، ولا اسمًا يتردد في البيانات المصورة، لكنه كان واحدًا من أولئك الذين يديرون الحرب من خلف الستار، رجل ظلّ لسنوات يتحرك بين الخطوط، يخطط، ينسق، ويختفي، إلى أن جاءت لحظة السقوط في حلب، لحظة أنهت سيرة رجل بُنيت على السرية، وفتحت نافذة نادرة لفهم كيف يصعد العسكري العام في تنظيم لا يعترف إلا بالقوة.

التكوين في زمن الفوضى

لا يولد "والي الشام" من فراغ، هو نتاج بيئة ممزقة، دولة متآكلة، وحدود سائلة، وحرب أهلية كسرت كل القواعد، نابغ القطميش ينتمي إلى ذلك الجيل الذي تشكل وعيه وسط انهيار سوريا، حيث تراجعت الدولة، وتقدمت البنادق، وتحوّل السلاح إلى لغة وحيدة مفهومة، في هذه البيئات، لا تحتاج إلى أيديولوجيا عميقة بقدر ما تحتاج إلى قدرة على البقاء، والاندماج في شبكات القوة الصاعدة.

داعش، في ذروة تمدده، لم يكن مجرد تنظيم عقائدي، بل ماكينة عسكرية معقدة تبحث عن عناصر قادرة على التنظيم، الضبط، والتنفيذ. القطميش، وفق توصيف الداخلية السورية، لم يكن مجرد مقاتل، بل من أبرز القيادات العسكرية، أي أنه اجتاز بسرعة اختبار الثقة داخل تنظيم لا يمنح المناصب إلا لمن يثبت كفاءة في القتل والإدارة معًا. هذا يعني أنه شارك مبكرًا في دوائر التخطيط، لا في الصفوف الخلفية.

لقبه جابر ليس تفصيلًا عابرًا، الألقاب في داعش ليست زينة، بل هوية عملياتية، تفصل بين الاسم الحقيقي والشخصية القتالية، جابر هو الاسم الذي يتحرك به، يوقّع به الأوامر، ويُعرف به في غرف العمليات، وهذا يعكس إدراكًا مبكرًا لأهمية التمويه والسرية، وهي صفات لا تتكون إلا لدى من عاش طويلًا في بيئة المطاردة.

الصعود داخل ماكينة العنف


أن تصبح العسكري العام لولاية الشام في تنظيم مثل داعش، فهذا يعني أنك في قلب الجهاز العصبي للتنظيم. أنت لا تنفذ فقط، بل تخطط، توزع الأدوار، وتحدد الأهداف، بحسب بيان الداخلية السورية، كان القطميش مسؤولًا عن التخطيط والإشراف على عدد من العمليات التي استهدفت مناطق مختلفة في سوريا، وهي صيغة أمنية مختصرة تعني شيئًا واحدًا: هذا الرجل كان يوقّع على الموت.

أخطر ما نُسب إليه هو محاولة استهداف كنيسة في حلب، هنا نخرج من منطق "المواجهة العسكرية" إلى منطق الحرب الرمزية، ضرب دور العبادة ليس عملية عسكرية، بل رسالة طائفية تهدف إلى تفجير المجتمع من الداخل، هذا النوع من العمليات لا يُسند إلى مقاتل ميداني عادي، بل إلى قيادة تدرك البعد السياسي والنفسي للهجوم. ما يعني أن القطميش لم يكن مجرد ضابط عمليات، بل لاعبًا في حرب المعاني.

في هذا الموقع، يصبح والي الشام أكثر من قائد محلي، هو حلقة وصل بين القيادة المركزية للتنظيم والخلايا النائمة، بين القرار الاستراتيجي والتنفيذ الميداني، ينسق التموضع، يوزع السلاح، ويضبط الإيقاع، والأهم يحافظ على تماسك الشبكة في بيئة معادية، وهذه مهمة لا ينجح فيها إلا من يمتلك قدرة عالية على إدارة البشر في أقسى الظروف.

السقوط.. وما بعده

عملية اعتقال نابغ القطميش في حلب لم تكن مجرد ضربة أمنية، بل رسالة سياسية. عملية "محكمة"، رصد، متابعة، اشتباك مباشر، ثم سيطرة دون خسائر، هذا السيناريو يعكس أن الرجل كان هدفًا عالي القيمة. ليس لأنه شخص، بل لأنه عقدة في شبكة، سقوطه يعني كشف مسارات، أسماء، وخلايا.

وجود حزام ناسف بحوزته يفتح بابين للتفسير، إما أنه كان يستعد لعملية، أو أنه كان يستعد للموت، وفي الحالتين، نحن أمام نموذج قيادي يعيش في منطق "النهاية المفتوحة"، لا مستقبل مدني، لا حياة بعد التنظيم. وهذا ما يجعل هذه الشخصيات أخطر من غيرها: لأنها لا تملك ما تخسره.

اعتقاله يأتي ضمن سلسلة اعتقالات شملت "والي دمشق" و"والي حوران"، ما يشير إلى تفكيك منهجي لبنية القيادة في الجنوب والشمال، القطميش اليوم في القفص، لكن النموذج الذي مثّله لم ينتهِ بالضرورة، هو تعبير عن جيل كامل تشكل في العنف، تربى في الفوضى، وتعلّم أن السلطة تُنتزع بالسلاح.