هروب تحت النار.. شهادات حية تكشف سياسة التهجير القسري في الضفة

هروب تحت النار.. شهادات حية تكشف سياسة التهجير القسري في الضفة

هروب تحت النار.. شهادات حية تكشف سياسة التهجير القسري في الضفة
الضفة الغربية

تراقصت أضواء شاحنات المستوطنين الإسرائيليين المغادرين في سماء الليل قرب منزل رزيق أبو نعيم المدمر، معلنة نهاية معركة طويلة خاضتها العائلة للبقاء في أرضها. فبعد عامين من الضغوط والاعتداءات، انتهى صمود الأسرة على أطراف قرية المغير الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة.


وخلال العامين الماضيين، حاول مستوطنون من بؤرة استيطانية قريبة إجبار أبو نعيم على الرحيل عن أرضه الصخرية الواقعة عند أطراف القرية. وبحسب إفادات العائلة وشهود فلسطينيين وإسرائيليين، تنوعت الاعتداءات بين التخريب والتهديدات العنيفة والضرب، ووقعت في أوقات وأساليب مختلفة.


ورغم ذلك، واصل أبو نعيم تمسكه بأرضه، مقاومًا بهدوء حملة متصاعدة يقودها مستوطنون لإزاحة الفلسطينيين من مناطق واسعة في الضفة الغربية. وقد وثقت هذه المعركة في تقرير حديث تناول تصاعد الحملة الإسرائيلية للسيطرة على الضفة.

ذروة العنف والاعتداء المسلح


بلغ التصعيد ذروته يوم السبت، حين اقتحم مستوطنون مسلحون منزل أبو نعيم واعتدوا عليه بوحشية، إلى جانب زوجته وابنته وحفيدته، وفق شهادات فلسطينية وإسرائيلية متطابقة.
وعندما حاول نجله وابن شقيقه البالغ من العمر 14 عامًا التدخل لإنقاذ الأسرة، أُطلق عليهما الرصاص وأصيبا بجروح.


وأفاد شهود بأن إطلاق النار جاء من المستوطنين ومن جنود إسرائيليين وصلوا إلى المكان بعد المستوطنين بقليل. ولم يصدر عن الجيش الإسرائيلي تعليق فوري على الحادثة.

سياق أوسع من التهجير والعنف


ما تعرضت له عائلة أبو نعيم يأتي ضمن نمط أوسع من العنف الذي ينفذه مستوطنون في أنحاء الضفة الغربية، حيث شهدت المنطقة تصاعدًا في عمليات التهجير والاعتداءات وعمليات القتل بحق الفلسطينيين منذ الهجوم الذي قادته حركة حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023.


وبينما يرى الفلسطينيون أن هذه الأراضي تشكل جزءًا من دولتهم المستقبلية، يعتبرها كثير من اليهود أرضًا تاريخية لهم. ومنذ هجوم غزة، دعمت الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتشددة توسيع الاستيطان في الضفة، فيما يقول منتقدون إن الجيش الإسرائيلي تغاضى عن حملة عنف متواصلة يشنها المستوطنون ضد الفلسطينيين.

الهروب تحت تهديد الموت


بعد نجاته من إطلاق النار، وقف أبو نعيم في حظيرة ماشية تابعة لأحد الجيران محاولًا استيعاب ما جرى وتحديد خطوته التالية. وقال إن العائلة فرت حفاظًا على حياتها، مضيفًا أنه لم يعد بإمكانهم البقاء في المكان لأن القتل كان سيطالهم لو بقوا، معتبرًا أن الأمر انتهى.


وبعد فترة قصيرة، توجه إلى المستشفى للاطمئنان على أفراد عائلته وتلقي العلاج من إصاباته.

موجة إفراغ قرى فلسطينية


إذا كانت تجربة أبو نعيم تعكس نمط الاعتداءات اليومية التي ينفذها مستوطنون ينطلقون من بؤر استيطانية غير قانونية تنتشر على قمم التلال في الضفة الغربية، فإن قراره التخلي عن منزله لم يكن استثناءً.


فخلال أسبوع واحد فقط، أُفرغت سبع تجمعات فلسطينية في الضفة الغربية نتيجة عنف المستوطنين، بحسب نشطاء إسرائيليين يتابعون هذا الملف.


وفي مساء السبت، كان بالإمكان رؤية إحدى القرى الفلسطينية المهجورة من الموقع المرتفع فوق منزل أبو نعيم. وكان صدى أصوات تفكيك المنازل المعدنية يتردد في الوادي من قرية أبو ناجح، حيث قرر سكانها في صباح اليوم نفسه الرحيل.

تفاصيل الهجوم


أفاد سكان محليون بأن العنف في المغير بدأ قرابة منتصف النهار، عندما ظهر نحو 20 مستوطنًا على تلة مقابلة للقرية، وبقوا هناك لساعات حتى نحو الثانية بعد الظهر، قبل أن ينزل ستة منهم باتجاه منزل أبو نعيم. وكان ثلاثة من هؤلاء المسلحين يحملون بنادق هجومية، بحسب الشهود.


ودخل المهاجمون إلى المسكن المؤلف من خيمة ومكان للنوم وكهف كانت العائلة تستخدمه، حيث اعتدوا على جميع أفراد الأسرة وأجبروهم على الاحتماء داخل الكهف أثناء ضربهم، وفق رواية الابنة هدية، البالغة من العمر 37 عامًا.


وقالت هدية من داخل المستشفى إن العائلة حاولت حماية نفسها حتى اللحظة الأخيرة، لكنها أُجبرت في النهاية على الرحيل بعدما تعرض الجميع للضرب.

إصابات وتدمير الممتلكات

عندما علم أيهم، نجل أبو نعيم البالغ من العمر 36 عامًا، بالهجوم، هرع مع آخرين لإنقاذ والديه، إلا أن المستوطنين أطلقوا النار باتجاههم، فأصيب برصاصة في منطقة الإبط. كما أصيب ابن شقيقه نسيم، البالغ من العمر 14 عامًا، برصاصة في ساقه أثناء محاولته الفرار.

وتمكن باقي أفراد العائلة من الهرب إلى أرض مجاورة أعلى التل، تاركين المستوطنين يواصلون تدمير الممتلكات قبل انسحابهم مع حلول المساء.

 

العودة إلى أنقاض المنزل

مع حلول المساء، بدا أن المستوطنين غادروا المكان. وفي نحو السادسة والنصف مساءً، حاول بعض الأقارب العودة إلى المنزل على أمل إنقاذ ما تبقى من مقتنيات. وانضم إليهم نشطاء إسرائيليون كانوا قد أقاموا مع أبو نعيم لأشهر في محاولة لمنع تهجيره.

لكن تحذيرات سرعان ما صدرت بأن المستوطنين قد يعودون، ما دفع الفلسطينيين والنشطاء إلى الفرار مجددًا، بينما كانت طائرة مسيّرة تحلق فوقهم وتلاحق تحركاتهم.

 

دمار شامل ورحيل قسري

عند العودة لاحقًا إلى الموقع بعد انسحاب المستوطنين نهائيًا، بدت آثار التخريب واضحة. فقد تحطمت الألواح الشمسية وسُرقت بطارياتها، وانقلبت خزانات المياه، وتضرر المرحاض المتنقل. وداخل المسكن، دُمّر كل شيء، من أكياس الأرز الممزقة والأدوات المنزلية إلى الأثاث المحطم والأدراج المبعثرة.

وفي عجلة الهروب خوفًا على حياتهم، لم تتمكن العائلة من إنقاذ سوى القليل من مقتنياتها، واضطرت للإقامة لدى أقارب في وسط قرية المغير.

وبرغم الخسارة الكبيرة، تمكنت الأسرة من إنقاذ قططها وصغارها وأرنبين كانا يعيشان معها، في مشهد يلخص حجم ما فقدته العائلة في ليلة واحدة.