إيران توسّع قبضة القمع.. السجن لمجرد التواصل مع صحفيين وجهات أجنبية

إيران توسّع قبضة القمع.. السجن لمجرد التواصل مع صحفيين وجهات أجنبية

إيران توسّع قبضة القمع.. السجن لمجرد التواصل مع صحفيين وجهات أجنبية
ايران

دفع نواب إيرانيون قدمًا بتشريع واسع النطاق قد يعرّض أشخاصًا للسجن بسبب التحدث إلى صحفيين، أو التعاون مع جهات أكاديمية، أو إجراء اتصالات غير مصرح بها مع سفارات ومؤسسات أجنبية، في خطوة من شأنها توسيع نطاق الأنشطة التي يمكن للأجهزة الأمنية اعتبارها نوعًا من الاختراق أو النفوذ الأجنبي.

وأكدت شبكة "إيران إنترناشونال"، أن مشروع القانون يمنح وزارة الاستخبارات ومنظمة استخبارات الحرس الثوري دورًا محوريًا في تحديد الروابط الأجنبية المحظورة، وهو ما قد يفتح أمام النيابة العامة نطاقًا واسعًا من الجرائم الجديدة، في ظل نظام قضائي تعرض مرارًا لانتقادات من منظمات حقوقية بسبب المخاوف المتعلقة بضمانات المحاكمة العادلة والإجراءات القانونية الواجبة.

وأقر البرلمان الإيراني، الأحد، الإطار العام لمشروع القانون، رغم أن النص الحالي للمشروع لم يُنشر بصورة رسمية.

ويضم أحدث مشروع متاح للعامة 19 مادة تفرض أحكامًا بالسجن، وحظرًا على ممارسة بعض المهن، وعقوبات أخرى تطال مجالات الصحافة والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني والثقافة والاتصالات مع الأفراد والمؤسسات الأجنبية.

ولا يعني إقرار الإطار العام أن النواب وافقوا على كل مادة من مواد المشروع، إذ لا يزال من الممكن أن يخضع النص النهائي لتغييرات كبيرة قبل إقراره بصورته النهائية.

لكن إذا احتفظ التشريع بأحكامه الأساسية، فإنه سيؤسس إطارًا قانونيًا واسعًا وجديدًا لملاحقة ما تعتبره السلطات نفوذًا أجنبيًا، في وقت تكثف فيه طهران الملاحقات القضائية على خلفية ما تعتبره روابط مع حكومات ووسائل إعلام أجنبية.

ما الذي قد يؤدي إلى السجن؟

من بين أكثر المواد إثارة للجدل المادة السابعة، التي تحظر إرسال الرسائل أو الصور أو مقاطع الفيديو أو التسجيلات الصوتية أو أي بيانات أخرى إلى وسائل إعلام غير إيرانية أو إلى أشخاص يمارسون نشاطًا إعلاميًا في الخارج.

وتنص المادة على عقوبة بالسجن، مع إمكانية تشديد العقوبة إذا جرى التواصل في إطار علاقة عمل، أو إذا اعتبرت السلطات أن الهدف منه تقويض الأمن القومي، أو إذا وقع خلال ما تصفه السلطات بأوقات الأزمات أو الاضطرابات أو أعمال الشغب.

أما المادة السادسة، فتحظر إجراء مقابلات أو أي أشكال أخرى من التواصل مع وسائل إعلام تصنفها السلطات على أنها معادية، بما في ذلك وسائل الإعلام الممولة من الولايات المتحدة أو إسرائيل.

وبالنسبة إلى وسائل الإعلام الأجنبية الأخرى، سيُطلب من الأشخاص الراغبين في التواصل معها إخطار السلطات عبر نظام تابع لوزارة الاستخبارات، فيما يمكن أن يؤدي عدم الإخطار إلى عقوبة بالسجن أيضًا.

قيود واسعة على التعاون الأكاديمي

وبموجب المادة الخامسة، ستتولى وزارة الاستخبارات نشر قائمة سنوية بالحكومات والجامعات والمؤسسات الأجنبية المعتمدة للتعاون في مجالات المنح الدراسية والاتفاقيات الأكاديمية والمؤتمرات والتعاون العلمي.

وقد يؤدي التعاون مع مؤسسات غير مدرجة في هذه القائمة إلى السجن، كما يمكن أن تطال العقوبة إرسال عينات طبية أو بحثية أو أثرية إلى تلك الجهات.

ويعكس هذا البند توسيعًا كبيرًا لنطاق الرقابة على العلاقات الأكاديمية والعلمية، إذ لن يقتصر الأمر على التعاون السياسي أو الأمني، بل قد يمتد إلى مجالات البحث العلمي والتبادل الأكاديمي ونقل العينات المرتبطة بالأبحاث.

تشديد الرقابة على الاتصالات مع السفارات

كما سيتعين على الأفراد والمنظمات الخاصة الذين يتواصلون مع سفارات أو مؤسسات أجنبية إخطار السلطات والحصول على موافقة خطية مسبقة، مع استثناءات محدودة تتعلق ببعض المسائل الشخصية ومسائل الأحوال المدنية.

وبموجب المشروع، ستُمنع المنظمات غير الحكومية والجمعيات والأحزاب السياسية من الحصول على مزايا أو مساعدات مالية من حكومات أو مؤسسات أو سفارات أجنبية دون موافقة لجنة تضم وزارة الاستخبارات ومنظمة استخبارات الحرس الثوري.

وقد تؤدي المخالفات إلى أحكام بالسجن، إضافة إلى فرض حظر طويل الأمد على ممارسة الأنشطة الاجتماعية والثقافية، فضلًا عن إمكانية حل المنظمة المخالفة.

قيود على السينما والمسرح والموسيقى والكتب

ويمتد مشروع القانون إلى المجالات الفنية والثقافية، إذ يمكن أن تؤدي مشاريع الأفلام والأفلام الوثائقية والمسرح والموسيقى والكتب التي تتضمن ما تصفه السلطات بالتوجيه أو الدعم الأجنبي المحظور إلى فرض حظر مهني دائم.

ويصبح ذلك ممكنًا إذا خلصت السلطات إلى أن العمل يشكك في القواعد الدينية، أو يقدم صورة سلبية عن إيران، أو يروج لما يسميه مشروع القانون الثقافة المعادية للإسلام.

كما يمكن أن تصل العقوبات إلى السجن في حال تنظيم دورات أو ورش عمل مرتبطة بجهات أجنبية معينة، بما في ذلك البرامج التي تُنظم عبر الإنترنت، وكذلك في حال المشاركة فيها مع العلم بطبيعة ارتباطها.

جرائم واسعة وصلاحيات أكبر للأجهزة الأمنية

ولا يقتصر اتساع نطاق مشروع القانون على الأفعال التي يجرّمها، بل يمتد أيضًا إلى الصلاحيات التي يمنحها للأجهزة الأمنية الإيرانية.

ويحدد مشروع القانون وزارة الاستخبارات ومنظمة استخبارات الحرس الثوري باعتبارهما الجهتين الرئيسيتين للتحقيق، والمسؤولتين عن تقديم الأدلة المتعلقة بأي توجيه أو مشاركة أجنبية محظورة إلى السلطات القضائية.

وتتسم المعايير التي سيُطلب من الجهازين إثباتها باتساع كبير.

وتشمل المادة الأولى الأشخاص الذين يعملون تحت إشراف أو توجيه أو تدريب أو إرشاد مجموعة واسعة من الحكومات الأجنبية والمنظمات الدولية والكيانات غير الإيرانية الأخرى.

ولا تقتصر الأضرار المحتملة التي يتناولها المشروع على تهديد الأمن القومي أو سلامة الأراضي الإيرانية، بل تشمل أيضًا ما تعتبره السلطات تقويضًا لثقة الجمهور في النظام السياسي أو خفضًا لمستويات المشاركة في الانتخابات.

وفي بعض الحالات، يتضمن المشروع أحكامًا بالسجن لفترات طويلة.

كما تشير إحدى المواد إلى أن عدم معرفة الشخص بوجود علاقة أجنبية محظورة قد لا يعفيه بالضرورة من المسؤولية الجنائية، إذا خلصت السلطات إلى أن الإهمال أو عدم الحيطة أدى إلى وقوع ضرر.

وستُحال القضايا بموجب المشروع إلى المحاكم الثورية، التي يمكنها كذلك إصدار أحكام بمصادرة الممتلكات وفرض حظر على ممارسة المهن.

اتهامات جديدة في نظام قضائي يخضع للتدقيق

ومن شأن تجريم نطاق أوسع بكثير من الاتصالات والعلاقات مع الجهات الأجنبية أن يمنح المحققين والمدعين العامين مجموعة إضافية من التهم يمكن استخدامها في القضايا التي تتضمن مزاعم بوجود صلات مع جهات أجنبية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ضوء سجل المحاكم الثورية الإيرانية والأجهزة الأمنية في التعامل مع مثل هذه القضايا.

وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش قيودًا على وصول المتهمين إلى محامين مستقلين في قضايا الأمن القومي، وقالت إن المحاكم الثورية غالبًا ما تفشل في الالتزام بمعايير المحاكمات العادلة.

وأفادت المنظمة، في فبراير الماضي، بأن وسائل إعلام مرتبطة بالدولة بثت مئات الاعترافات المزعومة، تضمنت تصريحات تحدث فيها أشخاص عن التعاون مع أجهزة استخبارات أجنبية ومشاركة تسجيلات للاحتجاجات مع وسائل إعلام ناطقة بالفارسية في الخارج.

كما وثقت منظمة العفو الدولية ما وصفته بالحرمان المنهجي من الوصول إلى المحامين وانتزاع اعترافات قسرية خلال حملة القمع التي شهدتها إيران في يناير، بما في ذلك إجبار محتجزين على الاعتراف بإرسال صور للاحتجاجات إلى وسائل إعلام خارج البلاد.

ويبرز تداخل واضح بين هذه الممارسات والأفعال التي يستهدفها مشروع القانون المقترح، إذ يمكن أن تصبح بعض الأنشطة التي سبق أن استخدمتها السلطات أساسًا لاتهامات مرتبطة بالأمن القومي جرائم محددة بصورة أكثر وضوحًا في التشريع الجديد.

توسيع نطاق ملاحقة النفوذ الأجنبي

ومن شأن مشروع القانون، إذا أُقر بصيغته الحالية أو بصيغة قريبة منها، أن يدخل حيز التنفيذ داخل نظام اعتاد بالفعل ملاحقة ما تعتبره السلطات روابط أو أنشطة مرتبطة بجهات أجنبية، لكنه سيمنحها في الوقت نفسه نطاقًا أوسع بكثير من الأفعال التي يمكن تحويلها إلى أساس للملاحقة الجنائية.

كما سيجرّم المشروع بعض الأنشطة الاقتصادية الموجهة من الخارج، إلى جانب السماح بتشديد العقوبات على جرائم أخرى إذا ارتُكبت تحت ما تعتبره السلطات إشرافًا أو توجيهًا أجنبيًا.

وبذلك، لا يقتصر التشريع المقترح على تشديد القيود المفروضة على الاتصالات مع الخارج، وإنما يوسع الإطار القانوني الذي يمكن للسلطات الإيرانية استخدامه لملاحقة الصحفيين والأكاديميين والفنانين ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب والأفراد على خلفية علاقاتهم أو اتصالاتهم بجهات أجنبية، في وقت تتزايد فيه حساسية السلطات تجاه أي نشاط يمكن ربطه بحكومات أو مؤسسات أو وسائل إعلام خارج إيران.