روسيا تنتخب الدوما وسط حرب أوكرانيا.. وبوتين يعزز قبضته على البرلمان

روسيا تنتخب الدوما وسط حرب أوكرانيا.. وبوتين يعزز قبضته على البرلمان

روسيا تنتخب الدوما وسط حرب أوكرانيا.. وبوتين يعزز قبضته على البرلمان
الدوما

يتوجه الناخبون في روسيا إلى صناديق الاقتراع لانتخاب مجلس دوما جديد، في انتخابات تخضع لسيطرة مشددة وتفتقر إلى منافسة سياسية مؤثرة، وسط توقعات بأن تحافظ السلطات على هيمنتها على البرلمان، بحسب ما ذكرته صحيفة "الغارديان" البريطانية.

ومن المتوقع أن يوسع حزب روسيا الموحدة، بزعامة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نفوذه على مجلس الدوما، وهي الهيمنة التي استمرت على مدى 23 عامًا، إلى جانب عدد من أحزاب المعارضة الاسمية التي تصوت بصورة منتظمة إلى جانب الكرملين في القضايا التي تعتبرها السلطات ذات أهمية.

وتبدأ عملية التصويت التي تستمر ثلاثة أيام الجمعة، على أن تعلن النتائج بعد إغلاق مراكز الاقتراع الأحد.

 

انتخابات الدوما الأولى منذ غزو أوكرانيا الشامل

وعلى الرغم من التوقعات الواضحة بشأن نتيجة الانتخابات، فإنها تمثل أول انتخابات لمجلس الدوما منذ بدء الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا في عام 2022، وتُجرى في ظل حرب أصبحت تتداخل بصورة متزايدة مع الحياة اليومية للروس، بعدما كانت بعيدة نسبيًا عن قطاعات واسعة من السكان.

وشنت طائرات مسيرة أوكرانية هجمات متكررة خلال الصيف على مصافي النفط والمصانع ومراكز الخدمات اللوجستية في أنحاء روسيا، في حين أظهرت استطلاعات للرأي تزايد القلق بشأن مسار الحرب وما قد تحمله المرحلة المقبلة.

وفي ظل هذه التطورات، واصل الكرملين تشديد قبضته على الحياة السياسية في البلاد.

 

استبعاد يابلوكو من السباق الانتخابي

وفي الشهر الماضي، منعت السلطات الروسية حزب يابلوكو، وهو حزب ليبرالي مناهض للحرب، من خوض الانتخابات، ما أدى إلى إخراج آخر قوة سياسية متبقية في روسيا كانت تعارض الغزو الروسي لأوكرانيا بصورة علنية من السباق الانتخابي.

وبذلك، بقيت مجموعة من الأحزاب الأخرى، من بينها الحزب الشيوعي والحزب الليبرالي الديمقراطي اليميني المتطرف، وهي أحزاب تشكل معًا ما يعرف في روسيا باسم المعارضة النظامية.

وتسمح السلطات لهذه الأحزاب بانتقاد الحكومة في نطاقات محدودة، لكنها تصطف إلى جانب حزب روسيا الموحدة في القضايا التي تعتبرها قيادة الكرملين أساسية.

وقد أدت هذه الأحزاب لسنوات دور صمام أمان سياسي، إذ أتاحت للناخبين وسيلة للتعبير عن استيائهم من دون تشكيل تهديد جدي لهيمنة الحزب الحاكم.

لكن الحملات الانتخابية البرلمانية الحالية بدت باهتة بصورة لافتة، حتى وفق المعايير المتراجعة للحياة السياسية الروسية.

 

حملات انتخابية باهتة وغياب للمنافسة

قالت فريدة روستاموفا، وهي محللة سياسية ومؤسسة نشرة فلاسْت المستقلة، إن المرشحين في معظم الانتخابات يتنافسون على جذب الانتباه، بينما يفعل كثير من المرشحين في روسيا هذا العام العكس تمامًا، إذ لا يريد أحد أن يكون في دائرة الضوء أو يناقش أي موضوع حساس.

وأضافت أن معظم المرشحين لم يخوضوا حملات انتخابية تذكر.

وفي بعض الأحيان، أُجريت المناظرات التلفزيونية أمام استوديوهات شبه خالية، بعدما تخلف سياسيون عن الحضور، ما أدى إلى مشاهد محرجة تحولت سريعًا إلى مقاطع ساخرة انتشرت عبر الإنترنت.

كما اعتمدت الحملة الانتخابية لحزب روسيا الموحدة بصورة كبيرة على مقاطع فيديو منخفضة التكلفة مولدة باستخدام الذكاء الاصطناعي، مع ندرة الشعارات أو الوعود الانتخابية اللافتة.

ولم يجرؤ أي من الأحزاب على تناول الأسئلة المتزايدة بشأن استمرار الحرب، والتي أصبحت تحتل مساحة متزايدة في الأحاديث الخاصة بين الروس.

وقال شخص مقرب من الكرملين، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إن الكرملين يتعمد إبقاء الانتخابات في إطار منخفض الاهتمام، لأن زيادة الاهتمام لن تكون في مصلحته، مضيفًا أن السلطات لا تريد مناقشة القضايا الصعبة وتسعى فقط إلى إنهاء العملية الانتخابية.

 

خفض الإقبال وإبقاء الانتخابات تحت السيطرة

وقالت روستاموفا إن إبقاء الانتخابات بعيدًا عن الأضواء كان يهدف إلى خفض نسبة المشاركة بين الناخبين الساخطين والمستقلين، مع ضمان توجه أنصار السلطة إلى صناديق الاقتراع.

وترى روستاموفا أن استبعاد حزب يابلوكو من الانتخابات اتبع المنطق نفسه.

ويعتقد عدد من المراقبين أن المسؤولين كانوا يتوقعون في البداية حصول الحزب على نتيجة هامشية، بما يعكس محدودية التأييد المتبقي لمنصة سياسية تعارض الحرب بصورة صريحة.

لكن عندما أظهرت استطلاعات الرأي بدلًا من ذلك ارتفاعًا في مستوى التأييد للحزب، قررت السلطات استبعاده من بطاقات الاقتراع بدلًا من المخاطرة بنتيجة غير متوقعة.

 

الانتخابات كمصدر للشرعية السياسية

وقال فلاديمير جيلمان، أستاذ السياسة الروسية في جامعة هلسنكي، إن أحد أهداف الانتخابات يتمثل في توفير مصدر مستمر للشرعية بالنسبة إلى الكرملين، وتعزيز الانطباع بوجود قبول شعبي واسع للنظام السياسي والحرب.

وأضاف أن الانتخابات، رغم أنها ليست حرة أو نزيهة، تظل المصدر الوحيد للشرعية السياسية.

وفي خطاب متلفز قبيل التصويت هذا الأسبوع، ربط بوتين بصورة مباشرة بين المشاركة في الانتخابات والحرب في أوكرانيا، مقدمًا التصويت باعتباره تعبيرًا عن الوحدة في مواجهة الضغوط الخارجية.

وقال بوتين إن اختيار الناخبين وإرادتهم سيظهران مجددًا أن ملايين الأشخاص يقفون خلف الجنود الروس، وأن الشعب متحد بقيم مشتركة وذاكرة تاريخية وحب للوطن.

وكان بوتين قد حصل على ولاية رئاسية جديدة مدتها ست سنوات في الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2024، بعدما مُنعت قوى المعارضة الحقيقية من خوض الانتخابات، ما مدد فترة حكمه حتى عام 2030 على الأقل.

 

مخاوف من تعبئة عسكرية جديدة بعد الانتخابات

لكن بالنسبة إلى كثير من الروس، تكمن الأهمية الأكبر للانتخابات في ما سيحدث بعد انتهائها، وليس في نتائجها.

ومع إحراز القوات الروسية تقدمًا محدودًا في أوكرانيا مقابل تكاليف بشرية ومادية مرتفعة، انتشرت في أنحاء البلاد شائعات بشأن احتمال تنفيذ تعبئة عسكرية واسعة النطاق جديدة.

ويتمثل مصدر القلق في أن الكرملين، بعد انتهاء الانتخابات بأمان وتشكيل مجلس دوما جديد موالٍ له، قد يمتلك مساحة أكبر لاتخاذ إجراءات غير شعبية تجنب تنفيذها حتى الآن.

ودفعت هذه المخاوف بالفعل بعض الشبان إلى مغادرة البلاد، على أمل الانتظار خارج روسيا إلى حين اتضاح ما إذا كانت ستُعلن تعبئة جديدة، في مشاهد تعيد إلى الأذهان سبتمبر 2022، عندما فر مئات الآلاف من الروس بعد إعلان بوتين أول تعبئة عسكرية خلال الحرب.

وقال الشخص المقرب من الكرملين إن عددًا من أصدقائه أرسلوا أبناءهم إلى الخارج خلال الأسابيع الأخيرة، معتبرًا ذلك مؤشرًا على أن حتى بعض الأشخاص الذين لديهم إمكانية الوصول إلى دوائر السلطة لا يملكون يقينًا بشأن ما سيحدث بعد انتهاء التصويت.

 

بوتين يسعى إلى تهدئة مخاوف التعبئة

وسعى بوتين إلى تهدئة هذه المخاوف، إذ نفى مرتين خلال الأسابيع الأخيرة أن تكون هناك تعبئة عسكرية جديدة وشيكة.

لكن هذه التطمينات لم تكن كافية بالنسبة إلى بعض الرجال، ومن بينهم دميتري، الذي سافر إلى العاصمة الأرمينية يريفان الأسبوع الماضي.

وقال دميتري إنه سيبقى في الخارج لبضعة أسابيع بعد الانتخابات، مضيفًا أنه يرى أن خطر إعلان تعبئة جديدة مرتفع بدرجة لا يمكن تجاهلها، وأنه يريد الانتظار لمعرفة ما إذا كان أي شيء سيتغير بعد انتهاء التصويت.