العزلة الرقمية تضرب إيران.. الاقتصاد ينهار والتواصل يتلاشى
العزلة الرقمية تضرب إيران.. الاقتصاد ينهار والتواصل يتلاشى
ايران,فرضت إيران قيودًا صارمة على الاتصالات عقب الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل، والذي أسفر عن اغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، في وقت دعت فيه واشنطن الشعب الإيراني إلى الانتفاض ضد النظام، ما دفع الجمهورية الإسلامية إلى التحرك سريعًا لإحكام السيطرة عبر إغلاق الإنترنت وتقليص التواصل مع العالم الخارجي، بحسب ما نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية.
وبعد مرور نحو 45 يومًا، ما يزال ملايين الإيرانيين خارج نطاق الاتصال، في ما وصفته منظمة نت بلوكس لمراقبة الإنترنت بأنه أطول انقطاع شامل للإنترنت على مستوى البلاد في التاريخ، الأمر الذي ألحق أضرارًا جسيمة بدولة يبلغ عدد سكانها نحو 90 مليون نسمة، وزاد من حدة الصدمة الاقتصادية الناجمة عن الحرب التي طالت البنية التحتية والمصانع ومؤسسات الدولة بالقصف.
تأثير مباشر على الأعمال والاقتصاد
قال أحمد، وهو صاحب متجر إلكتروني صغير لبيع الكتب في طهران كان يعتمد على تطبيقات واتساب أو تيليغرام للتواصل مع العملاء: إن الوضع التجاري المتدهور نتيجة الحرب وانقطاع الإنترنت أجبره على تسريح ثلاثة موظفين كانوا يعملون في الإدارة والتغليف.
وأضاف: أنه كان يبيع في المتوسط نحو 10 كتب يوميًا، معظمها روايات باللغة الفارسية وكتب تحفيزية، إلا أن المبيعات تراجعت إلى كتابين أسبوعيًا فقط، مشيرًا إلى أنهم باتوا يقومون بكل المهام بأنفسهم من البداية حتى النهاية، حتى في حال تمكنوا من بيع ثلاثة كتب أسبوعيًا.
انهيار شبه كامل في الاتصال
لطالما كان الوصول إلى الإنترنت في إيران خاضعًا لقيود مشددة، حيث يلجأ العديد من المستخدمين إلى أدوات غير قانونية مثل الشبكات الافتراضية الخاصة وبعض أجهزة ستارلينك لتجاوز الرقابة، إلا أن مستوى الاتصال تراجع إلى 1 بالمئة فقط من المعدلات الطبيعية بعد الإغلاق، وفقاً لنت بلوكس، في ظل سعي السلطات إلى إسكات سكان يبلغ عددهم 90 مليون نسمة.
وجاء هذا الإجراء بعد أسابيع فقط من انقطاع استمر 20 يومًا خلال احتجاجات مناهضة للنظام في يناير.
اللجوء إلى شبكة وطنية مغلقة
اتجه الإيرانيون إلى استخدام شبكة المعلومات الوطنية، وهي نسخة محلية مغلقة من الإنترنت تضم عددًا محدودًا من المواقع الحكومية والتطبيقات المصرفية وخدمات النقل والتراسل المحلية مثل بله وإيتا، والتي تعمل عبر خوادم داخلية.
وبعد دخول وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران حيز التنفيذ الأسبوع الماضي، أرسل أحمد رسائل نصية جماعية يدعو فيها العملاء لاستخدام هذه التطبيقات المحلية للتواصل معه.
لكنه أشار إلى أن هذه المنصات تعاني من مشكلات تقنية كبيرة، مثل صعوبة تحميل الصور وبطء الأداء، وهو ما يعكس حالة استياء واسعة بسبب الأعطال المتكررة والضغط الكبير على الخوادم.
قيود تقنية تعرقل الشركات الناشئة
قال نِيما نامداري، وهو محلل اقتصاد رقمي مقيم في طهران: إن كثيرًا من المستخدمين يرفضون استخدام تطبيقات المراسلة المحلية بسبب مخاوف تتعلق بالخصوصية، مضيفًا أن شبكة المعلومات الوطنية لا توفر الأدوات اللازمة لعمل الشركات.
وأوضح، أن الشركات الناشئة تعتمد على مجموعة واسعة من الخدمات الأجنبية وأدوات البرمجيات السحابية، ما يجعل قدرتها على تطوير منتجاتها وتقديم الدعم وتحسين الأداء تتراجع إلى الصفر تقريبًا.
تعطل التعليم وضغط على المنصات
انتقلت المدارس إلى استخدام شبكة المعلومات الوطنية خلال الحرب، إلا أن منصة التعليم الإلكتروني الحكومية شاد واجهت بطئًا شديدًا في الاستجابة بسبب الضغط الناتج عن استخدام ملايين الطلاب في وقت واحد.
مبررات أمنية وانتقادات شعبية
برر المسؤولون الإيرانيون قرار قطع الإنترنت بدواعٍ أمنية، حيث قال نائب وزير الاتصالات إحسان شيت ساز إن السلطات تخشى من هجمات إلكترونية، مضيفًا أن القيود ساعدت في الحفاظ على استقرار الاتصالات الداخلية، في حين استمرت بعض الفئات مثل السياسيين والمسؤولين ورجال الأعمال والإعلاميين في استخدام الإنترنت.
لكن طهران استخدمت مرارًا سياسة قطع الإنترنت في أوقات الأزمات، سواء خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا مع إسرائيل في يونيو الماضي، أو أثناء الاحتجاجات الواسعة في يناير التي شهدت حملة قمع أسفرت عن سقوط آلاف القتلى.
ويرى كثير من الإيرانيين، أن شبكة المعلومات الوطنية ليست وسيلة لتعزيز الأمن السيبراني كما تقول السلطات، بل أداة لعزلهم عن العالم في أوقات الاضطرابات.
غياب جدول زمني لعودة الخدمة
لم تحدد السلطات موعدًا لإعادة الإنترنت بشكل كامل، فيما قالت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني: إن القيود ليست دائمة، وإن الخدمة ستعود إلى طبيعتها بعد انتهاء الحرب، إلا أن هذه التصريحات لم تقدم طمأنينة كافية للمواطنين.
خسائر فادحة للتجارة الإلكترونية
قالت فرناز، وهي مصممة أزياء في طهران تبيع ملابس نسائية عبر الإنترنت، إنها كانت تستعد لاستئناف عملها بعد انقطاع سابق في يناير، لكن الحرب أجهضت خططها.
وأوضحت، أنها كانت تبيع فستانًا يوميًا، لكنها لم تبع سوى ثلاثة فقط خلال الأسابيع الأخيرة، مشيرة إلى أن المشترين كانوا من معارفها وليسوا عملاء عبر الإنترنت.
وأكد مجيد خاكبور، رئيس اتحاد شركات الإنترنت في طهران، أن هذا القطاع يوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لنحو 10 ملايين شخص، محذرًا من أن هذه الأعمال أصبحت مهددة بشكل كبير بعد انقطاع الإنترنت.
تراجع الدخل وارتفاع تكاليف الاتصال
أفادت محشد، وهي معلمة لغة إنجليزية، بأن دخلها تراجع إلى الصفر تقريبًا بعد تعطل الدروس الحضورية والإلكترونية، حيث توقف نصف طلابها عن الحضور بسبب المخاطر الأمنية، بينما فقد النصف الآخر الاتصال بالإنترنت.
وفي الوقت الذي ارتفع فيه الطلب على خدمات الشبكات الافتراضية الخاصة، شهدت أسعارها ارتفاعًا حادًا جعلها بعيدة عن متناول معظم الإيرانيين، في ظل ازدهار سوق سوداء لبيع خدمات الاتصال.
حملة أمنية ضد وسائل الاتصال البديلة
شددت السلطات إجراءاتها ضد استخدام أجهزة ستارلينك غير القانونية، حيث تصل العقوبة إلى السجن لمدة عامين، كما هددت بملاحقة كل من يستخدم الإنترنت لتسريب صور ومقاطع فيديو إلى قنوات معارضة خارج البلاد.
وخلال الأسابيع الأخيرة، صادرت قوات الأمن مئات الأجهزة واعتقلت عشرات الأشخاص، فيما أعلنت الشرطة في مدينة قم اعتقال 10 أشخاص ومصادرة عدد من الأجهزة.
أزمة إنسانية ونفسية متصاعدة
لا تقتصر تداعيات انقطاع الإنترنت على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى الحياة اليومية والنفسية للمواطنين.
وقال بيمان، وهو شاب في الثلاثينات من عمره ويهوى ألعاب الفيديو، إنه فقد التواصل مع أصدقائه حول العالم الذين اعتاد اللعب معهم، مضيفًا أنه لم يعد قادرًا على متابعة الأخبار أو ممارسة هوايته، ما تسبب له بحالة من الإحباط الشديد، مشيرًا إلى أنه لم يتواصل مع فريقه منذ أكثر من 40 يومًا، وهو ما يثقل كاهله نفسيًا.

العرب مباشر
الكلمات