بعد قرار ترامب.. هل ينتقل إخوان أوروبا من خانة الجدل إلى دائرة الحظر؟
بعد قرار ترامب.. هل ينتقل إخوان أوروبا من خانة الجدل إلى دائرة الحظر؟
لم يكن القرار الأمريكي بتصنيف جماعة الإخوان منظمة إرهابية مجرد خطوة أحادية في سجل الحرب على التطرف، بل تحوّل سريعًا إلى حجر يُلقى في بركة السياسة الأوروبية الراكدة منذ سنوات، فالقارة التي طالما ترددت بين مقاربة أمنية صارمة ومنطق الحريات المفتوحة، تجد نفسها اليوم أمام سؤال وجودي هل باتت جماعة الإخوان خطرًا يستوجب الحظر، أم مجرد تيار أيديولوجي مثير للجدل؟
في باريس، لم يعد هذا السؤال نظريًا، الرئيس إيمانويل ماكرون وضع الملف في قلب أولوياته، معتبرًا أن "التغلغل الأيديولوجي" داخل المجتمع الفرنسي يمثل تهديدًا مباشرًا لقيم الجمهورية، ومع تحديد البرلمان الفرنسي يوم 22 يناير 2026 موعدًا لمناقشة مشروع إدراج الجماعة على قائمة الإرهاب الأوروبية، تبدو أوروبا على أعتاب مرحلة جديدة، قد تنهي سنوات من التردد، وتدفع نحو مقاربة موحدة في مواجهة تنظيم يرى فيه كثيرون خطرًا ناعمًا، لا يقل أثرًا عن العنف الصريح.
فرنسا في المقدمة
تتقدم فرنسا الصف الأوروبي في التعامل مع ملف الإخوان، مدفوعة بسلسلة من التقارير الأمنية والتحقيقات الحكومية التي ربطت بين نشاط الجماعة وتنامي مظاهر التطرف داخل المجتمع، البرلمان الفرنسي حدّد 22 يناير 2026 موعدًا لجلسة حاسمة لمناقشة مشروع قانون تقدم به حزب "الجمهوريون"، يهدف إلى إدراج جماعة الإخوان رسميًا ضمن القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية.
هذه الخطوة، إن أُقرت، لن تكون مجرد قرار وطني، بل ستتحول إلى ضغط مباشر على بقية دول الاتحاد لتبني موقف موحد.
وفق تقارير إعلامية فرنسية، ينص المشروع على فتح مسار قانوني يتيح تصنيف الجماعة أوروبيًا، بما يفرض قيودًا واسعة على أنشطتها، ويمكّن السلطات من تجميد أصولها، ومراقبة شبكاتها، وإغلاق الجمعيات المرتبطة بها.
ويأتي هذا التحرك في سياق نقاش سياسي وأمني محتدم حول مفاهيم "الاختراق الأيديولوجي" و"التغلغل الصامت"، وهي مصطلحات باتت جزءًا من الخطاب الرسمي في باريس.
التقارير الحكومية خلال عام 2025 تحدثت عن نشاطات مرتبطة بالإخوان داخل مساجد، ومدارس، وجمعيات مجتمع مدني، اعتُبرت بيئات حاضنة لخطاب انفصالي عن قيم الجمهورية، وترى السلطات أن هذه الشبكات لا تعمل بعنف مباشر، بل عبر بناء نفوذ اجتماعي طويل الأمد، يخلق مساحات ثقافية موازية داخل الدولة، بالنسبة لماكرون، فإن الرد لا يمكن أن يكون أمنيًا فقط، بل تشريعيًا وسياسيًا، مستفيدًا من الزخم الذي أحدثه القرار الأمريكي لإعادة صياغة الموقف الأوروبي بأكمله.
من جانبه، يرى طارق البشبيشي، الخبير في شؤون الجماعات الإرهابية، أن التحول الأوروبي تجاه جماعة الإخوان لم يعد مسألة وقت بقدر ما أصبح مسألة كلفة سياسية وقانونية.
ويقول في تصريحات لـ"العرب مباشر": القرار الأمريكي أعاد تعريف الإخوان دوليًا، ووضع أوروبا أمام اختبار حقيقي. لم يعد ممكنًا الاستمرار في التعامل مع الجماعة ككيان دعوي رمادي، بينما تكشف الوقائع أنها تدير شبكة عابرة للحدود، تستخدم العمل المدني واجهة لبناء نفوذ أيديولوجي منظم.
ويضيف البشبيشي: أن الخطر لا يكمن في العنف المباشر، بل في إعادة هندسة الوعي داخل المجتمعات الأوروبية، موضحًا أن الإخوان "يتحركون وفق استراتيجية طويلة النفس، تبدأ من التعليم والمساجد والجمعيات، وتستهدف خلق فضاء ثقافي موازٍ لقيم الدولة الوطنية.
خريطة أوروبية بين الحظر الصريح والرقابة الحذرة
رغم تقدم فرنسا إلى الواجهة، فإن المشهد الأوروبي ما يزال متباينًا. النمسا كانت السباقة حين صنفت جماعة الإخوان منظمة إرهابية منذ أغسطس 2021 بموجب قانون مكافحة الإرهاب، وفرضت حظرًا على أنشطتها العلنية، مع مراقبة صارمة لكل الكيانات المرتبطة بها، هذا النموذج يعكس قناعة في فيينا بأن الجماعة تمثل خطرًا مباشرًا على النظام الديمقراطي، حتى دون تورطها في عنف مسلح.
ألمانيا اختارت مسارًا مختلفًا، فهي تصنف الإخوان "تهديدًا للنظام الديمقراطي"، وتضعها تحت مراقبة أجهزة الاستخبارات، لكنها تتجنب إدراجها رسميًا على قوائم الإرهاب، خشية الطعون أمام المحاكم الدستورية، وحفاظًا على توازنها القانوني الدقيق بين الأمن والحريات.
في هولندا وبلجيكا، تتوسع الرقابة على مصادر التمويل الخارجي، وتُشدّد الإجراءات على الجمعيات المرتبطة بالجماعة، مع توصيفها كخطر طويل المدى على النسيج الاجتماعي، أما في السويد والمملكة المتحدة، فتجري مراجعات شاملة لأنشطة الإخوان، مع تركيز خاص على البعد التعليمي والأيديولوجي، دون الوصول حتى الآن إلى تصنيف إرهابي رسمي.
هذا التباين يعكس مأزقًا أوروبيًا عميقًا، كيف يمكن التعامل مع تنظيم يُنظر إليه كفاعل أيديولوجي طويل النفس، لا يعتمد العنف المباشر، لكنه يُتهم بإعادة تشكيل الوعي والهوية داخل المجتمعات؟ فرنسا ترى أن الإجابة تكمن في الحسم، بينما ما تزال دول أخرى تراهن على الاحتواء والمراقبة.
في السياق ذاته، يحذر البشبيشي من أن التردد الأوروبي يمنح الجماعة هامشًا واسعًا للمناورة القانونية، قائلًا: "طالما بقيت الإخوان خارج قوائم الإرهاب، ستظل قادرة على التحايل عبر الأطر الحقوقية، وتقديم نفسها كضححية للتمييز، بينما تستكمل مشروعها بهدوء.
ويتابع البشبيشي في حديثه لـ"العرب مباشر"، إن فرنسا "تفتح الباب أمام مقاربة جديدة تعترف بأن التطرف ليس فقط من يحمل السلاح، بل من يعيد تعريف المجتمع من الداخل"، معتبرًا أن جلسة 22 يناير قد تكون "اللحظة التي تنتقل فيها أوروبا من سياسة الاحتواء إلى منطق المواجهة الاستباقية".
معركة أوروبا غير المرئية
جوهر القلق الأوروبي لا يتمثل في عمليات عنف آنية، بل في ما تسميه الأجهزة الأمنية "التسلل الصامت"، ترى الحكومات أن جماعة الإخوان تستخدم شبكات منظمات واجهة – جمعيات خيرية، مدارس، مراكز ثقافية – لبناء نفوذ تدريجي داخل المجتمع المدني، هذا النفوذ، بحسب التقارير، لا يهدف إلى الصدام المباشر مع الدولة، بل إلى خلق بيئة ثقافية موازية، تُعيد تعريف القيم والمرجعيات داخل أحياء ومجتمعات بعينها.
في فرنسا، رُصدت روابط بين جمعيات تعليمية ومساجد وشخصيات مرتبطة بالإخوان، ما فتح نقاشًا واسعًا حول الحدود الفاصلة بين النشاط المدني المشروع والعمل الأيديولوجي المنظم. هل ما يجري مجرد تعبير عن التعدد الثقافي، أم استراتيجية متكاملة لإعادة تشكيل الفضاء العام؟
أنصار الحظر يرون أن الخطر يكمن تحديدًا في هذا "الرمادي"، حيث يصعب إثبات التورط في العنف، لكن التأثير التراكمي قد يكون أعمق وأطول أمدًا.
في المقابل، يحذر معارضو التصنيف من أن توسيع مفهوم الإرهاب ليشمل تيارات أيديولوجية قد يفتح الباب أمام تقييد الحريات، ويخلق سوابق قانونية خطرة.
جلسة البرلمان الفرنسي المرتقبة لن تكون مجرد نقاش داخلي، بل إشارة إلى اتجاه الرياح في أوروبا. فإذا نجحت باريس في تمرير مشروعها، فقد تنتقل المعركة من مستوى المراقبة إلى مستوى الحظر الشامل، لتدخل القارة مرحلة جديدة في تعريفها لماهية التهديد، وحدود التسامح، ومعنى الأمن في زمن التطرف غير العنيف.

العرب مباشر
الكلمات