استقالة تحت الضغط.. العقوبات الأوروبية تطيح برئيس الاتحاد الدولي للشطرنج
استقالة تحت الضغط.. العقوبات الأوروبية تطيح برئيس الاتحاد الدولي للشطرنج
شهد عالم الشطرنج فصلًا جديدًا مليئًا بالتقلبات السياسية والمفارقات، بعدما أعلن أركادي دفوركوفيتش، رئيس الاتحاد الدولي للشطرنج فيدِه البالغ من العمر 54 عامًا، تنحيه عن منصبه عقب إدراجه على قائمة العقوبات الأوروبية، في خطوة أعادت تسليط الضوء على التداخل المتزايد بين الرياضة والسياسة الدولية، بحسب ما نقلته مجلة "إل باييس" الإسبانية.
وجاء قرار استقالة دفوركوفيتش بعد أن فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات عليه بدعوى أنه يهدد أو يقوض سلامة الأراضي الأوكرانية وسيادتها واستقلالها، إلا أن القرار الأوروبي لم يتضمن الإشارة إلى أن دفوركوفيتش كان قد أدان الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، وهو الموقف الذي تسبب آنذاك في تعرضه لعقوبات داخلية من قبل السلطات الروسية.
وفي الوقت نفسه، واصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعمه لدفوركوفيتش في منصبه كرئيس للاتحاد الدولي للشطرنج، نظرًا للأهمية التي يوليها الكرملين لهذه الرياضة، خاصة في ظل الرغبة الروسية في استعادة مكانة البلاد في عالم الشطرنج.
وبعد مغادرته المنصب، سيتولى بطل العالم السابق الهندي فيسواناثان أناند رئاسة الاتحاد بصورة مؤقتة حتى سبتمبر المقبل.
مسيرة سياسية واقتصادية بارزة قبل قيادة الشطرنج العالمي
يمتلك دفوركوفيتش مسيرة طويلة في المجالين الاقتصادي والسياسي داخل روسيا، حيث يعد من أبرز الشخصيات المقربة سابقا من دوائر صنع القرار في موسكو.
وهو نجل السكرتير الشخصي السابق لبطل العالم في الشطرنج غاري كاسباروف، ودرس الاقتصاد في جامعة ديوك الأمريكية وجامعة موسكو الحكومية.
وشغل دفوركوفيتش منصب مستشار اقتصادي للرئيس فلاديمير بوتين بين عامي 2008 و2012، ثم تولى منصب نائب رئيس الوزراء في حكومة دميتري ميدفيديف خلال الفترة من 2012 إلى 2018.
كما ترأس اللجنة المنظمة لكأس العالم لكرة القدم الذي استضافته روسيا عام 2018، وتولى رئاسة شركة السكك الحديدية الروسية بين عامي 2015 و2018، إضافة إلى قيادة مؤسسة سكولكوفو بين عامي 2018 و2022، وهي المؤسسة التي تعد أقرب نموذج روسي لوادي السيليكون الأمريكي لدعم الابتكار والتكنولوجيا.
انتقاده للحرب الأوكرانية تسبب في أول صدام مع موسكو
بدأت المشاكل السياسية لدفوركوفيتش بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، عندما عبر عن رفضه للغزو، وهو ما أدى إلى إقالته من منصبه في مؤسسة سكولكوفو بعد فترة قصيرة.
وكان دفوركوفيتش قد أعلن موقفه الرافض للحرب أولا بصفته رئيسًا للاتحاد الدولي للشطرنج، بعدما أصدر الاتحاد بيانًا أدان فيه الحرب بشكل واضح.
وفي مقابلة مع مجلة Mother Jones الأمريكية، قال: إن الحروب هي أسوأ ما يمكن أن يواجهه الإنسان في حياته، مؤكدًا أنه يشعر بالحزن تجاه مقتل جميع الضحايا في الصراع الذي استمر ثماني سنوات في منطقة دونباس بين الجيش الأوكراني والقوات الانفصالية الموالية لروسيا.
لكن بعد عزله من منصبه في سكولكوفو، نشر دفوركوفيتش مقالا أشاد فيه بالجيش الروسي، دون أن يوضح لاحقًا ما إذا كان قد تعرض لضغوط لكتابة هذا المقال أم لا.
ويقيم دفوركوفيتش، المتزوج والأب لثلاثة أبناء، بين العاصمة اللاتفية ريغا وموسكو منذ ذلك الوقت.
دعم بوتين للشطرنج أبقى دفوركوفيتش في موقعه
ورغم الخلافات التي ظهرت بين دفوركوفيتش والسلطات الروسية عقب موقفه من الحرب، فإن بوتين استمر في دعمه علنا كرئيس للاتحاد الدولي للشطرنج.
ويرجع ذلك إلى المكانة الخاصة التي يحتلها الشطرنج ضمن أولويات القيادة الروسية الرياضية، خاصة مع رغبة موسكو في إعادة بطولة العالم إلى روسيا وتعزيز نفوذها في هذه اللعبة التي ارتبطت تاريخيًا باسم الاتحاد السوفيتي ثم روسيا.
وكان بوتين قد أكد اهتمامه بهذا الهدف خلال مراسم ختام مباراة بطولة العالم بين النرويجي ماغنوس كارلسن والهندي فيسواناثان أناند في مدينة سوتشي.
العقوبات الأوروبية تضع مستقبل رئاسة الاتحاد على المحك
عندما انتخب دفوركوفيتش رئيسًا للاتحاد الدولي للشطرنج خلال مؤتمر باتومي في جورجيا عام 2018، أعلن أنه لا يرغب في البقاء في المنصب لأكثر من ثماني سنوات.
لكن تعقيد وضعه السياسي دفعه إلى التفكير في خوض انتخابات جديدة للحصول على ولاية ثانية خلال الجمعية العامة للاتحاد المقرر عقدها في سمرقند بأوزبكستان في نهاية سبتمبر المقبل.
ويرى مراقبون، أن الدعم الروسي لدفوركوفيتش مرتبط إلى حد كبير باستمراره في رئاسة الاتحاد، وأن الحماية السياسية التي حظي بها قد تتراجع في حال فقد المنصب.
ونشرت الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي، الخميس، قرارًا بفرض عقوبات جديدة على 48 شخصًا و168 كيانًا بدعوى تهديد سلامة أراضي أوكرانيا وسيادتها واستقلالها.
وتضمن القرار اسم دفوركوفيتش في الصفحة 37، مع الإشارة بشكل خاص إلى عضويته في مجلس إدارة الاتحاد الروسي للشطرنج، الذي تعرض لانتقادات بسبب تنظيم بطولات في شبه جزيرة القرم، المنطقة التي ضمتها روسيا وتطالب أوكرانيا بالسيادة عليها.
ولم يتطرق القرار الأوروبي إلى موقف دفوركوفيتش السابق من الحرب أو الظروف السياسية المحيطة به.
دفوركوفيتش يصف العقوبات بأنها غير قانونية
ورد دفوركوفيتش سريعًا على العقوبات الأوروبية، حيث وصفها بأنها غير قانونية وغير عادلة، مؤكدًا أنه سيطعن عليها بكل الوسائل المتاحة.
كما أعلن تفويض صلاحياته كرئيس للاتحاد الدولي للشطرنج إلى أناند، الذي كان يشغل منصب نائب الرئيس.
ورفض دفوركوفيتش الإدلاء بمزيد من التعليقات، لكن مصادر مقربة منه قالت إن العقوبات جاءت بدفع من أوكرانيا بدعم من عدد من الدول الأوروبية، خصوصًا دول البلطيق.
وأضافت المصادر، أن الهدف الأساسي من هذه الخطوة هو منع دفوركوفيتش، الذي أعيد انتخابه عام 2022 بدعم من العديد من الدول الغربية، من الترشح مجددًا لرئاسة الاتحاد.
مفارقة الشطرنج العالمي بين الكفاءة والهوية السياسية
وخلال السنوات الثماني التي قضاها دفوركوفيتش في قيادة الاتحاد الدولي للشطرنج، عاش عالم اللعبة مفارقة واضحة، إذ يرى عدد كبير من مسؤولي الشطرنج حول العالم، وفقًا لتقييمات نقلتها صحيفة إل باييس الإسبانية، أنه ربما كان أفضل رئيس للاتحاد خلال تاريخه الممتد لأكثر من قرن.
لكن المسؤولين أنفسهم يعترفون بأن هويته الروسية والمناصب السياسية العليا التي شغلها أصبحت عبئًا كبيرًا أمام جذب الرعاة الدوليين الكبار، خصوصًا بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا.

العرب مباشر
الكلمات