حصار ترامب يخنق إيران.. حرب اقتصادية تطحن الإيرانيين وتهدد النظام
حصار ترامب يخنق إيران.. حرب اقتصادية تطحن الإيرانيين وتهدد النظام
تدفع الضغوط الاقتصادية المتصاعدة الإيرانيين إلى حافة الانهيار المعيشي، في ظل ارتفاع حاد في تكاليف الحياة وتراجع غير مسبوق في قيمة العملة المحلية، بينما تواصل الولايات المتحدة تشديد حصارها الاقتصادي والبحري على طهران، في محاولة لإجبار النظام الإيراني على تقديم تنازلات من الداخل، بعدما أخفقت الحرب العسكرية في إخضاعه.
وأكدت صحيفة "تليغراف" البريطانية، أنه بينما تواصل القيادة الإيرانية الترويج لما تصفه بالانتصار في الحرب، تكشف شهادات مواطنين ومسؤولين ورجال دين ومحللين عن مجتمع يرزح تحت وطأة تدهور اقتصادي متسارع، تتراجع فيه القدرة على شراء الاحتياجات الأساسية، ويواجه فيه الشباب مستقبلاً غامضًا، وسط مخاوف متزايدة من أن تتحول الضغوط المعيشية إلى عامل يهدد استقرار النظام نفسه.
وفي تقرير نشرته الصحيفة البريطانية، رسمت شهادات من مختلف أنحاء إيران صورة قاتمة لتأثير الحصار الأمريكي، الذي يستهدف قطاعات النقل والتجارة والإمدادات، ويزيد صعوبة الحصول على الغذاء والأدوية والوقود، في وقت تتصاعد فيه الانقسامات بشأن جدوى مواصلة المواجهة مع واشنطن.
حصار اقتصادي يستهدف حياة الإيرانيين اليومية
في مدينة ساري الساحلية المطلة على بحر قزوين، يعمل أكبر، البالغ من العمر 43 عامًا، في تكسير المعادن ونقل الأحمال داخل ساحة للخردة، مقابل أجر يقل عن 4 جنيهات إسترلينية يوميًا.
وتراجعت القيمة الفعلية لدخله الضئيل إلى نحو النصف مقارنة بما كانت عليه قبل عام، ما دفعه أخيرًا إلى تخصيص ما تبقى لديه من أموال يوميًا لتخزين بعض المواد الغذائية، تحسبًا لاحتمال استئناف الولايات المتحدة حملات القصف.
لكن مع تفاقم الضغوط، لم يتمكن أكبر من الحفاظ على مخزونه الغذائي، وبدأ قبل أسبوعين في استهلاك ما ادخره، بعدما ضاقت به سبل المعيشة.
وقال: إنهم لم يعودوا قادرين حتى على تحمل تكاليف الاحتياجات اليومية، موضحًا أن الأزمة لا تقتصر عليه، بل تمتد إلى معظم الأشخاص الذين يعرفهم، الأمر الذي يجعله عاجزًا حتى عن الاقتراض منهم، لأنهم يواجهون الصعوبات نفسها.
وتجسد معاناة أكبر، بحسب التقرير، شكلاً آخر من الحرب التي تتعرض لها إيران، حرب بطيئة تستنزف المجتمع وتستهدف الحياة اليومية للسكان، بعدما توقفت الغارات التي طالت المدن الكبرى، لتحل محلها مواجهة اقتصادية تتسع آثارها مع مرور الوقت.
وفرضت واشنطن عقوبات على جميع شركات الطيران الإيرانية، وشددت القيود على المعابر الحدودية، وجعلت استيراد الأدوية والمواد الغذائية والأسمدة بالغ الصعوبة، ضمن حملة أمريكية تحمل اسم عملية المنبوذ اقتصاديًا.
وفي سبتمبر، أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية 27 شركة طيران وهيئة مرتبطة بقطاع الطيران الإيراني على القائمة السوداء، ما أدى إلى قطع وصولها إلى قطع الغيار وخدمات الصيانة والفحوص المتعلقة بالسلامة.
وردت طهران بشكوى إلى مجلس الأمن الدولي، وصفت فيها هذه الإجراءات بأنها إرهاب اقتصادي وعقاب جماعي يستهدف المدنيين.
كما بدأ الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية يحقق تأثيرًا متزايدًا، إذ توقفت تقريبًا جميع الصادرات الإيرانية عن الوصول إلى الأسواق الخارجية، وفقًا للتقرير.
وفي المقابل، تعود شحنات النفط التي ما تزال قادرة على الخروج عبر المنطقة إلى دول عربية مجاورة في الخليج، وهو ما أثار استياء القوات المسلحة الإيرانية، التي استأنفت هذا الأسبوع هجماتها على ناقلات النفط.
مضيق هرمز في قلب المواجهة الاقتصادية
قبل اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، كان مضيق هرمز يشهد عبور نحو 125 سفينة تجارية كبيرة يوميًا، وكانت الشحنات التي تمر عبره تمثل قرابة 20 في المئة من إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم.
وبعد مرور سبعة أشهر على بدء الحصار، تحدثت صحيفة ذا تلغراف مع مواطنين إيرانيين ومسؤولين ورجال دين ومحللين في أنحاء البلاد، لرصد التداعيات المتراكمة للمواجهة الاقتصادية.
وأظهرت الشهادات أن إيران تواجه تدهورًا واسعًا في أوضاعها المعيشية، بالتزامن مع انهيار قيمة عملتها، وتزايد صعوبة الحصول على السلع الأساسية.
فبينما اضطر عمال الأجر اليومي إلى استهلاك ما كانوا يدخرونه من غذاء للطوارئ، فقدت متاجر صغيرة زبائنها، وأصبح العثور على شريط واحد من أقراص الكودايين يتطلب المرور على عدد كبير من الصيدليات، فيما باتت لقاحات الإنفلونزا نادرة أو غير متاحة.
كما تتزايد مشاعر اليأس بين الشباب، الذين يرون أن فرصهم المستقبلية تتقلص يومًا بعد يوم، ووصل الأمر ببعضهم إلى التعبير عن رغبتهم في انتهاء هذه المعاناة بأي طريقة.
ولا تقتصر الضغوط على الشارع الإيراني، بل بدأت تظهر داخل مؤسسات الجمهورية الإسلامية نفسها، حيث أقر جنرالات ورجال دين بمخاوف من أن تؤدي التعبئة الشعبية المتشددة والمطالبة بالانتقام إلى دفع النظام نحو الانهيار، في وقت ما يزال فيه المرشد الأعلى غائبًا إلى حد كبير عن الأنظار.
وفي المقابل، تواصل القيادة الإيرانية تقديم الحرب باعتبارها انتصارًا. فقد أكد الرئيس الإيراني أمام الأمم المتحدة أن بلاده خرجت من المواجهة مرفوعة الرأس، فيما أعلن قادة عسكريون أن الجمهورية الإسلامية حققت النصر.
كما حشدت الدولة مئات الآلاف ضمن حملة تعبئة واسعة، تقدمها باعتبارها دليلاً على صمود البلاد وعدم خضوعها للضغوط الخارجية.
غير أن الشهادات التي جمعها التقرير تشير إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعدما أخفق في إخضاع إيران عسكريًا خلال الحرب هذا العام، يتجه إلى استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على تشديد الحصار البحري والخنق الاقتصادي، بهدف إضعاف الجمهورية الإسلامية من الداخل.
انهيار العملة وارتفاع أسعار الغذاء
في العاصمة طهران، اضطر رضا، البالغ من العمر 36 عامًا، إلى التخلي عن متجر إلكتروني صغير كان يديره، بعدما توقفت الطلبات بصورة شبه كاملة.
وقال إنه لم يحقق أي دخل منذ أسابيع، موضحًا أنه كان يأمل في تحسن الأوضاع عقب عودة خدمة الإنترنت التي انقطعت خلال الحرب، لكن الواقع جاء أكثر سوءًا، إذ لم يعد الناس يمتلكون المال الكافي لشراء المنتجات.
ومع نفاد مدخراته، اضطر رضا إلى العمل في متجر يملكه أحد أقاربه، لكنه لم يجد تحسنًا يُذكر في الأوضاع هناك أيضًا، بسبب تراجع إقبال المستهلكين على الشراء.
وأشار إلى أن قريبه يحاول الحد من الخسائر الناجمة عن التضخم من خلال عدم الاحتفاظ بالريالات الإيرانية، وتحويل الأموال إلى مخزون من السلع، بما يساعده على حماية قيمة أمواله من التراجع المتواصل.
وتجاوز سعر الدولار الأمريكي 2.7 مليون ريال إيراني، فيما تخطى تضخم أسعار الغذاء، وفق بعض التقديرات، 125 في المئة، وهو ما يفاقم الضغوط على الأسر التي تكافح لتوفير احتياجاتها الأساسية.
وتعكس هذه المؤشرات اتساع الفجوة بين دخول المواطنين وأسعار السلع والخدمات، في وقت تتقلص فيه فرص العمل وتتراجع قدرة الأنشطة التجارية الصغيرة على الاستمرار.
الأدوية والوقود يضاعفان معاناة السكان
وفي كرج، الواقعة غرب العاصمة طهران، قرر جلال، البالغ من العمر 38 عامًا، التخلي عن عمله سائقًا لسيارة أجرة والانتقال إلى شيراز، ليكون قريبًا من والديه وأقاربه.
لكن انهيار قدرته الشرائية وارتفاع تكاليف النقل جعلا تنفيذ قراره أمرًا بالغ الصعوبة.
وقال: إن تكلفة استئجار شاحنة لنقل أغراضه كانت تبلغ 10 ملايين تومان قبل شهرين، لكنها ارتفعت الأسبوع الماضي إلى 35 مليون تومان، في ظل ندرة الديزل وارتفاع الأسعار التي يفرضها السائقون.
والتومان وحدة نقدية متداولة بصورة غير رسمية في إيران، ويساوي عشرة ريالات إيرانية.
ولم تتوقف معاناة جلال عند تكاليف الانتقال، بل امتدت إلى الحصول على العلاج، إذ أوضح أنه اضطر إلى زيارة ما لا يقل عن عشر صيدليات بحثًا عن أقراص الكودايين، مضيفًا أن العثور حتى على لقاحات الإنفلونزا أصبح أمرًا صعبًا.
وتسلط هذه الشهادة الضوء على التداعيات التي يمكن أن تترتب على اضطراب سلاسل الإمداد وقيود الاستيراد، خصوصًا في القطاعات المرتبطة بصحة السكان، حيث يؤدي نقص الأدوية واللقاحات إلى زيادة المخاوف بشأن قدرة المواطنين على الحصول على الرعاية الأساسية.
الشباب الإيرانيون يدفعون الثمن الأكبر
تبدو آثار الأزمة أكثر عمقًا بين الشباب الإيراني، الذين يواجهون تراجعًا في الفرص الاقتصادية وتزايدًا في الشعور بأن مستقبلهم يتآكل بفعل الصراع السياسي والعسكري.
وقالت ترانه، البالغة من العمر 29 عامًا، وهي طالبة في طهران، إن الحياة تنحدر نحو مزيد من البؤس مع كل يوم يمر.
وأوضحت، أن القواعد المتعلقة بالملابس أصبحت أكثر مرونة بعض الشيء، ما يمنحها قدرًا أكبر من الحرية في اختيار ما ترتديه، لكنها تساءلت عن جدوى هذه الحرية إذا لم يعد بمقدورها تحمل تكلفة احتساء القهوة مع أصدقائها.
وأضافت: أنها وصلت أكثر من مرة إلى مرحلة تمنت فيها أن تنتهي هذه المعاناة برمتها.
أما بهناز، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 18 عامًا وتعيش في أصفهان، فبدت أكثر استسلامًا من الغضب تجاه ما يحدث.
وقالت: إنها لا تقف إلى جانب أي طرف، وإن كل ما يشغلها هو مستقبلها الذي تشعر بأنه يُنتزع منها يومًا بعد يوم، مضيفة أن أحدًا لا يهتم بأوضاع جيلها، وأن الصراع يدور حول السياسة بينما يجد الشباب أنفسهم عالقين في قلب الأزمة.
ويعكس هذا الشعور اتساع الإحساس لدى قطاعات من المجتمع الإيراني بأن المواطنين باتوا ساحة للمواجهة بين القوى السياسية، وأنهم يتحملون العبء الأكبر من تداعيات قرارات لا يملكون التأثير فيها.
مخاوف من أن تدفع التعبئة الشعبية النظام إلى الانهيار
وبحسب التقرير، لم تعد المخاوف المتعلقة بتأثير الأزمة الاقتصادية على المجتمع الإيراني محصورة في الشارع، بل باتت موضع نقاش داخل دوائر السلطة أيضًا.
ففي مقابلات مع الصحيفة، أقر جنرالات ورجال دين بأنهم يخشون من أن يؤدي الحشد الشعبي المتواصل إلى دفع النظام نحو الانهيار، مع وجود مؤشرات على إدراك بعض المسؤولين داخل المؤسسة الحاكمة لحجم المخاطر.
وفي كل ليلة، تتجمع حشود من أنصار الجمهورية الإسلامية في الساحات العامة بالمدن الإيرانية، مرددة شعارات تطالب بالانتقام من الولايات المتحدة وإسرائيل، ومؤكدة عزمها على مواصلة القتال.
لكن الغضب الذي تحمله هذه التجمعات بدأ يتجه أيضًا نحو الداخل، إذ يحذر المشاركون مفاوضي الحكومة من إبرام أي اتفاق مع واشنطن، ويصورون المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب باعتبارها خيانة.
وتحولت التجمعات الليلية، التي تأتي في إطار حملة التعبئة الجماهيرية المعروفة باسم جان فدا، إلى استعراض لقوة التيار المتشدد، في وقت تختبر فيه الضغوط المعيشية قدرة قطاعات أوسع من المجتمع على مواصلة التحمل.
ويضع هذا المشهد الدبلوماسيين الإيرانيين أمام معادلة معقدة، إذ قد تكون تكلفة تقديم تنازلات للولايات المتحدة مرتفعة سياسياً، في ظل الضغوط التي يمارسها المتشددون على القيادة لرفض أي تسوية.
ومع ذلك، أشار مسؤولون إيرانيون ورجال دين تحدثوا إلى الصحيفة بصورة غير علنية إلى ضرورة الدخول في مفاوضات مع الأمريكيين، مع إبداء شكوك بشأن ما إذا كان ترامب ينتظر انهيار الاقتصاد الإيراني قبل التحرك نحو اتفاق.
كما عبروا عن قلق نادر بشأن قدرة الجمهورية الإسلامية على تحمل الضغوط الراهنة، في ظل استمرار غياب المرشد الأعلى عن المشهد العام بصورة شبه كاملة.
وقال أحد المحللين في طهران: إن ترامب يلعب بوضوح على المدى الطويل، وينتظر وصول النظام إلى مرحلة يجد فيها نفسه مضطرًا إلى تقديم تنازلات.
لكنه أشار إلى أن هذه الاستراتيجية قد تحتاج إلى وقت طويل، نظرًا إلى أن أيديولوجية التشيع تقوم على المقاومة والصمود، محذرًا في الوقت نفسه من أن حسابات المواجهة قد تتغير عندما يصل الناس إلى مرحلة الجوع.

العرب مباشر
الكلمات