مدير مركز فرنسي: التحركات الغربية ضد الإسلام السياسي تعكس تحولًا استراتيجيًا في التعامل مع التهديدات العابرة للحدود
مدير مركز فرنسي: التحركات الغربية ضد الإسلام السياسي تعكس تحولًا استراتيجيًا في التعامل مع التهديدات العابرة للحدود
في تطور سياسي وأمني لافت يعكس تحولاً متسارعًا في مقاربة الغرب لملف الإسلام السياسي، تتجه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى إعادة صياغة سياساتهما تجاه جماعة الإخوان، في ضوء استراتيجية واشنطن الجديدة لعام 2026، والتي صنفت الجماعة ضمن دوائر تهديد أمن قومي مشابهة لتنظيمي داعش والقاعدة، وفق ما تداوله دبلوماسيون غربيون وتقارير سياسية متقاطعة.
هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن السياق الدولي المتغير، بل تزامن مع تصاعد المخاوف داخل العواصم الأوروبية من ما تصفه دوائر أمنية بـ"التغلغل الهادئ" للتنظيم داخل بعض المؤسسات الاجتماعية والتعليمية والدينية، وهو ما دفع باريس في المقدمة إلى تبني حزمة من التحركات التشريعية والأمنية غير المسبوقة.
وفي فرنسا، صادق مجلس الشيوخ بأغلبية كبيرة على مقترح قانون يستهدف مكافحة ما يسمى "تغلغل الإسلام السياسي"، ويضع آليات قانونية صارمة للتعامل مع الكيانات التي يشتبه في ارتباطها بالجماعة أو بأفكارها.
ويتضمن المشروع تسهيل إجراءات حل الجمعيات، وتجميد الأصول المالية المرتبطة بجهات تُصنف ضمن "التنظيمات ذات الطابع الانفصالي أو المتطرف"، إضافة إلى فرض رقابة موسعة على دور العبادة، بهدف منع استغلالها في نشر خطاب متشدد أو توظيفها كقنوات للتأثير السياسي.
كما يتضمن التشريع الجديد تشديد الرقابة على مصادر التمويل، خصوصًا التبرعات التي تمر عبر قنوات العمل الخيري، في ظل مخاوف متزايدة من استخدام هذه القنوات كغطاء لتمويل أنشطة غير معلنة، إضافة إلى مراقبة التحويلات الرقمية والتمويل الجماعي عبر الإنترنت، وهي ملفات باتت تحت مجهر أجهزة الاستخبارات المالية الأوروبية.
بالتوازي مع ذلك، تستعد باريس لاستضافة المؤتمر الوزاري الخامس "لا أموال للإرهاب" في 19 مايو الجاري، بمشاركة واسعة من نحو 80 دولة، حيث من المتوقع أن يشكل ملف تمويل الجماعات العابرة للحدود، وعلى رأسها جماعة الإخوان، أحد أبرز محاور النقاش. وتشير تسريبات دبلوماسية إلى أن النقاشات ستتطرق بشكل مباشر إلى سبل إدراج الجماعة في قوائم الإرهاب الأوروبية، أو على الأقل تضييق الخناق المالي عليها بشكل منظم.
وفي السياق ذاته، برزت تصريحات لعضو مجلس الشيوخ الفرنسي نتالي غوليه، التي أكدت أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لعام 2026 كانت بمثابة "جرس إنذار حقيقي" لأوروبا، مشيرة إلى أن واشنطن باتت تعتبر الجماعة تهديدًا أمنيًا عابرًا للحدود، خاصة في ظل ما وصفته بتقارير تتعلق بتوفير ملاذات آمنة لعناصر تنظيم القاعدة في بعض المناطق المضطربة مثل السودان واليمن.
وأضافت غوليه، أن أوروبا، رغم تأخرها النسبي في اتخاذ خطوات مماثلة للولايات المتحدة، بدأت بالفعل في التحرك نحو "مسار أكثر صرامة"، معتبرة أن المرحلة الحالية تمثل نقطة تحول في التعامل مع التنظيم، خصوصًا مع تصاعد الأدلة المتعلقة بوجود شبكات نفوذ داخل مؤسسات مدنية وتعليمية ودينية في عدد من الدول الأوروبية.
ويرى مراقبون، أن هذه التطورات تعكس تحولاً تدريجيًا من مرحلة "المتابعة الأمنية" إلى "المواجهة التشريعية"، حيث لم يعد التعامل مع الملف مقتصرًا على الإجراءات الاستخباراتية، بل انتقل إلى مستوى القوانين والسياسات العامة داخل الاتحاد الأوروبي.
وفي المقابل، تشير تقديرات مراكز بحثية إلى أن هذا التحول قد يفتح الباب أمام توترات سياسية داخل أوروبا، خاصة بين الدول التي تدفع نحو تصعيد المواجهة التنظيمية، وأخرى تتحفظ على خطوات التصنيف المباشر، مفضلة التركيز على أدوات الرقابة المالية والأمنية دون الذهاب إلى الحظر الكامل.
وبين هذا وذاك، يبقى ملف جماعة الإخوان واحدًا من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين الغرب والتيارات الإسلامية السياسية، في وقت يبدو فيه أن عام 2026 قد يشكل نقطة إعادة رسم شاملة لسياسات التعامل مع هذا الملف على المستويين الأمريكي والأوروبي.
وقالت الدكتورة عقيلة دبيشي، مدير المركز الفرنسي للدراسات الدولية والاستراتيجية: إن التحركات المتسارعة في كل من الولايات المتحدة وأوروبا تجاه ما يعرف بملف الإسلام السياسي تعكس تغيرًا واضحًا في الرؤية الأمنية الغربية، خاصة بعد إدراج جماعة الإخوان ضمن دوائر تهديد مشابهة لتنظيمي داعش والقاعدة في الاستراتيجية الأمريكية لعام 2026.
وأوضحت دبيشي للعرب مباشر، أن هذا التحول لا يمكن فصله عن تراكمات طويلة من التقارير الأمنية والاستخباراتية التي رصدت، بحسب وصفها، "أنماطًا من التغلغل الهادئ" داخل بعض المؤسسات الاجتماعية والدينية والتعليمية في عدد من الدول الأوروبية، وهو ما دفع باريس إلى تبني حزمة تشريعات جديدة تستهدف تشديد الرقابة على الجمعيات والتمويلات المرتبطة بتلك الشبكات.
وأضافت: أن مقترح القانون الذي أقره مجلس الشيوخ الفرنسي مؤخرًا يمثل نقلة نوعية في التعامل الأوروبي مع الملف، لكونه يجمع بين الأدوات القانونية والمالية والأمنية في آن واحد، من خلال تسهيل حل الجمعيات المشبوهة، وتجميد الأصول، ومراقبة مصادر التمويل، بما في ذلك التبرعات العابرة للحدود والتمويل الرقمي.
وأشارت دبيشي إلى أن المؤتمر الوزاري "لا أموال للإرهاب" المقرر عقده في باريس خلال مايو الجاري، يعكس اتجاهًا دوليًا متصاعدًا نحو تجفيف منابع التمويل غير التقليدي، خاصة عبر العملات الرقمية ومنصات التمويل الجماعي، معتبرة أن هذه الأدوات أصبحت تمثل تحديًا كبيرًا للأجهزة الرقابية والمالية.
وأكدت أن المرحلة الحالية قد تشهد إعادة صياغة شاملة لسياسات التعامل مع التنظيمات ذات الطابع الأيديولوجي العابر للحدود، مرجحة أن تكون أوروبا أكثر تشددًا خلال الفترة المقبلة في ملف التصنيفات والرقابة المالية والأمنية.

العرب مباشر
الكلمات