مدير المركز الفرنسي: تحركات فرنسا ضد الإخوان تعكس وعيًا أوروبيًا متقدمًا بخطورة التنظيم
مدير المركز الفرنسي: تحركات فرنسا ضد الإخوان تعكس وعيًا أوروبيًا متقدمًا بخطورة التنظيم
تتجه فرنسا نحو تصعيد تحركاتها داخل الاتحاد الأوروبي لدفع دول القارة إلى تبني موقف موحد وأكثر صرامة تجاه تنظيم الإخوان، في ظل تصاعد المخاوف من أنشطة التنظيم وشبكاته العابرة للحدود، وما تمثله من تهديدات للأمن والاستقرار المجتمعي في عدد من الدول الأوروبية.
وخلال الأشهر الماضية، كثفت باريس من تحركاتها السياسية والأمنية، مطالبة بتشديد الرقابة على الكيانات المرتبطة بالإخوان، واعتبارها جزءًا من منظومة التطرف التي تستغل الفضاءات القانونية والديمقراطية في أوروبا لنشر أفكارها وبناء نفوذ سياسي واجتماعي واقتصادي.
وترى السلطات الفرنسية، أن التنظيم يعتمد على أساليب ناعمة للتغلغل، عبر الجمعيات الخيرية والمراكز الثقافية والدينية، مستفيدًا من ثغرات تشريعية واختلافات في مقاربات الدول الأوروبية.
مصادر أوروبية مطلعة أكدت أن فرنسا طرحت هذا الملف بقوة في اجتماعات أمنية ووزارية مشتركة، داعية إلى تنسيق أوروبي شامل يشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، ومراجعة أطر تمويل الجمعيات، وتشديد آليات الرقابة على الخطاب الديني، إضافة إلى دراسة تصنيف الإخوان كتنظيم متطرف على مستوى أوروبي، أو على الأقل وضع أجنحته وواجهاته تحت قيود قانونية صارمة.
ويأتي هذا التوجه في وقت تشهد فيه عدة دول أوروبية، من بينها ألمانيا والنمسا وهولندا، نقاشات داخلية متصاعدة حول مخاطر التنظيم، حيث حذرت تقارير أمنية من أن الإخوان لا يتبنّون العنف المباشر في كثير من الأحيان، لكنهم يعملون على تقويض القيم الديمقراطية من الداخل، وبناء مجتمعات موازية تقوم على الولاء التنظيمي والفكري.
على الصعيد الدولي، تتسع دائرة المواجهة مع تنظيم الإخوان، إذ تبنت دول عدة خارج أوروبا سياسات أكثر حزمًا تجاه أنشطته، مستندة إلى خبرات سابقة كشفت عن دور التنظيم في تغذية التطرف وعدم الاستقرار.
وتؤكد هذه الدول أن التنظيم، رغم اختلاف السياقات، يعتمد نمطًا متشابهًا في العمل، يقوم على التدرج، واستخدام الخطاب المزدوج، واستغلال القضايا الاجتماعية والإنسانية لتحقيق أهداف سياسية.
ويرى مراقبون، أن التحرك الفرنسي يعكس تحولًا مهمًا في المزاج الأوروبي، الذي بات أكثر وعيًا بطبيعة التهديدات غير التقليدية، خاصة في ظل تصاعد التحديات الأمنية والهجرة غير الشرعية والتطرف العابر للحدود.
كما يشيرون إلى أن نجاح هذا المسار يتوقف على قدرة الاتحاد الأوروبي على تجاوز تباين مواقف دوله الأعضاء، وصياغة إطار قانوني وأمني موحد يوازن بين حماية الحريات ومواجهة التنظيمات التي تستغلها.
في المقابل، يتوقع خبراء أن تشهد المرحلة المقبلة مزيدًا من الضغوط السياسية والإعلامية من جانب التنظيم وشبكاته، في محاولة لعرقلة أي توجه أوروبي موحد، وهو ما يجعل ملف الإخوان واحدًا من أبرز ملفات الأمن الفكري والسياسي المطروحة على الأجندة الأوروبية خلال الفترة المقبلة.
وأكدت الدكتورة عقيلة دبيشي، مدير المركز الفرنسي للدراسات الاستراتيجية والدولية، أن التحركات الفرنسية الأخيرة الداعية إلى تشديد الموقف الأوروبي تجاه تنظيم الإخوان تمثل تطورا مهما في مقاربة القارة لملف الجماعات ذات الأيديولوجيات المتطرفة، مشيرة إلى أن التنظيم بات يشكل تحديًا أمنيًا وفكريًا يتجاوز حدود دولة بعينها.
وقالت دبيشي للعرب مباشر: إن فرنسا تنطلق في موقفها من خبرة طويلة في رصد أنشطة التنظيم داخل المجتمعات الأوروبية، موضحة أن الإخوان يعتمدون على استراتيجيات غير مباشرة، تقوم على التغلغل داخل الجمعيات والمراكز الثقافية والدينية، واستغلال المناخ الديمقراطي والقانوني لبناء نفوذ طويل الأمد.
وأضافت مدير المركز الفرنسي للدراسات الاستراتيجية والدولية، أن خطورة التنظيم لا تكمن فقط في ممارساته الظاهرة، وإنما في مشروعه الفكري الذي يسعى إلى إعادة تشكيل المجتمعات من الداخل، وخلق ولاءات موازية تتعارض مع قيم الدولة الوطنية ومبادئ الاندماج المجتمعي.
وأشارت دبيشي إلى أن الدعوة الفرنسية لتنسيق أوروبي مشترك تعكس إدراكًا متزايدًا بأن مواجهة هذا النوع من التنظيمات لا يمكن أن تتم بجهود منفردة، بل تحتاج إلى تعاون استخباراتي وتشريعي شامل، يركز على مصادر التمويل، وآليات العمل، والخطاب المستخدم في التأثير على الشباب.
وشددت على أن المرحلة المقبلة ستشهد نقاشات أوسع داخل الاتحاد الأوروبي حول تصنيف الإخوان، أو على الأقل فرض قيود صارمة على واجهاتهم التنظيمية، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود مرهون بوجود إرادة سياسية موحدة وقدرة على الموازنة بين حماية الحريات العامة وصون الأمن القومي الأوروبي.

العرب مباشر
الكلمات