حرب المسيرات تشتعل.. أوكرانيا وروسيا تدخلان سباق الجيل الجديد من الأسلحة الطائرة
حرب المسيرات تشتعل.. أوكرانيا وروسيا تدخلان سباق الجيل الجديد من الأسلحة الطائرة
حرب المسيرات تشتعل.. أوكرانيا وروسيا تدخلان سباق الجيل الجديد من الأسلحة الطائرة
بعد أن بدأت الحرب الروسية الأوكرانية بالدبابات ثم تطورت إلى معارك مدفعية واسعة، تدخل المواجهة الآن مرحلة جديدة تتمحور حول جيل متطور من الطائرات المسيرة التي تستهدف أهدافًا عسكرية وصناعية واقتصادية، وتمتد تداعياتها إلى المدنيين.
وبحسب صحيفة "الغارديان" البريطانية، فإنه في أعماق الليل، وبعد انحسار الأمطار، أصبح المجال الجوي جاهزًا أمام طائرات مسيرة أوكرانية لتنفيذ مهمة هجومية جديدة.
كان أفراد الطاقم الأرضي يعملون تحت أضواء خضراء وحمراء خافتة يصعب رصدها، بينما اصطفت مجموعة صغيرة من مسيرات "فاير بوينت إف بي-2" الأوكرانية، وهي طائرات أحادية الجناح صغيرة يبلغ طول جناحيها 6 أمتار وتحمل أكثر من 100 كيلوغرام من المتفجرات، استعدادًا لتنفيذ ضربة داخل منطقة لوغانسك الخاضعة للسيطرة الروسية، على بعد أكثر من 320 كيلومترًا.
يصدر محرك الطائرة الأساسي صوتًا يشبه ضجيج محرك دراجة نارية صغيرة، لكن صوت معزز الإطلاق مختلف تمامًا، إذ يطلق هديرًا نفاثًا قويًا يهز المكان، قبل أن تنطلق الطائرة بسرعة نحو السماء، في إشارة إلى انتهاء مهمة وحدة المسيرات الهجومية الأوكرانية رقم 413 وضرورة مغادرتها الموقع.
تحول كبير في طبيعة المعارك
وبات هذا المشهد يتكرر بشكل شبه يومي لدى عشرات الأطقم الأوكرانية، في انعكاس لتحول سريع في طبيعة الحرب التي بدأت بالمواجهات التقليدية، لكنها أصبحت تعتمد بشكل متزايد على المسيرات بعيدة المدى.
وتحمل هذه الأسلحة الجديدة الموت والدمار إلى مسافات مئات الكيلومترات خلف خطوط القتال، مستهدفة منشآت عسكرية ومواقع صناعية ومراكز اقتصادية، إلا أن تأثيرها يمتد في كثير من الأحيان إلى السكان المدنيين.
وفي الوقت الذي طورت فيه أوكرانيا قدراتها في مجال الطائرات المسيرة والصواريخ لتقترب من مستوى القدرات الروسية، بعد أن تعرضت مدنها في بعض الفترات لمئات الهجمات بالطائرات المسيرة يوميًا، أعادت موسكو بدورها تطوير ترسانتها عبر ثورة جديدة تعتمد على المسيرات النفاثة.
وما يزال ميزان القوة في هذه المواجهة التكنولوجية غير محسوم.
أوكرانيا توسع استخدام مسيرات الضربات العميقة
تعد وحدة "رايد" الأوكرانية من الوحدات المتخصصة في تشغيل الطائرات المسيرة، وقد تأسست قبل عامين، وبدأت استخدام مسيرات "إف بي-2" المصممة والمصنعة في أوكرانيا منذ الخريف الماضي، وفقًا لقائد الوحدة المعروف باسم الحركي "سكيبر".
وقال سكيبر، وهو موظف سابق في مجال تكنولوجيا المعلومات ويحمل درجة الماجستير في علوم الحاسوب: إن الوحدة شهدت توسعًا كبيرًا في قدراتها، موضحًا أنه عندما بدأت عملياتها كانت تضم طاقمًا واحدًا قادرًا على تنفيذ مهمتين أسبوعيًا، أما الآن فأصبحت قادرة على تنفيذ عمليات تزيد بنحو عشرة أضعاف أو أكثر.
وأضاف: أن الحروب بعيدة المدى لا تعني بالضرورة أنها أقل خطورة، موضحًا أن الطرف الآخر قادر أيضًا على تنفيذ هجمات مماثلة، وأن أفراد الوحدة أنفسهم أصبحوا أهدافًا محتملة، حتى لو لم يروا العدو مباشرة.
وكانت أوكرانيا قد أعلنت للمرة الأولى بشكل علني عن مسيرة "إف بي-2" في سبتمبر الماضي، حيث صممت لاستهداف المواقع المحصنة وتعطيل خطوط الإمداد الروسية المؤدية إلى الجبهة.
ويرى التقرير أن نجاح وحدة "رايد" وغيرها من الوحدات التي تنفذ ضربات بعيدة ومتوسطة المدى ساهم في إبطاء تقدم القوات الروسية إلى حد كبير، إذ تشير تقديرات غربية إلى أن روسيا حققت مكاسب محدودة خلال أغسطس مقارنة بالعام السابق، كما تواجه خسائر بشرية شهرية تتجاوز قدرتها على تعويض الجنود، وفق مسؤولين غربيين.
هجمات واسعة تستهدف الاقتصاد والبنية التحتية
ضمن القوات الأوكرانية، تعمل وحدات المسيرات التابعة لقوات الأنظمة غير المأهولة بالتنسيق مع وحدات الجيش القريبة من خطوط المواجهة والقوات الخاصة.
وتتطلب الهجمات الكبرى، مثل الضربة التي عطلت مصفاة نفط قرب موسكو في 20 سبتمبر، تعاون عدة وحدات في وقت واحد.
وقد تشمل الهجمات بعيدة المدى إطلاق ما يصل إلى 300 طائرة مسيرة، فيما يتمثل الهدف المستقبلي في القدرة على إطلاق ألف مسيرة خلال ليلة واحدة، فيما يصف الجنود هذا الأسلوب بأنه يشبه "الأوركسترا"، حيث تستخدم الطائرات الرخيصة لتحديد الممر الجوي المناسب للوصول إلى الهدف النهائي.
وتستخدم أوكرانيا أيضًا مسيرة "إف بي-1" بعيدة المدى، التي تبلغ قيمتها نحو 75 ألف دولار، والتي تشبه "إف بي-2"، في استهداف مستودعات ومصافي نفط ومنشآت عسكرية واقتصادية داخل العمق الروسي.
وبحسب بيانات وكالة الطاقة الدولية، تسببت هذه الضربات في انخفاض إنتاج روسيا من النفط الخام بنسبة 7.7% خلال عام، بينما بقيت أسعار الفائدة الروسية عند مستوى 14%.
وقال سيدهارث كاوشال من المعهد الملكي للخدمات المتحدة إن الطرفين أصبحا أكثر قدرة على تحويل الضربات العميقة إلى تأثيرات اقتصادية مباشرة.
المسيرات الأوكرانية في مواجهة التطور الروسي
في شرق منطقة دونيتسك، تعمل وحدة أوكرانية أخرى تحمل اسم "الوحدة 17" التابعة لمركز العمليات الخاصة، حيث يوضح أفرادها طريقة إدارة العمليات من قاعدة مؤقتة.
ويعمل زناخار، وهو مبرمج سابق يبلغ من العمر 33 عامًا، على تحديد الأهداف عبر أنظمة مشتركة تعتمد على صور الأقمار الصناعية الغربية وطائرات الاستطلاع الأوكرانية.
وخلال الليل، تستخدم الوحدة مسيرة "سيخ" التي تبلغ قيمتها نحو 25 ألف دولار، وهي تشبه طائرة نموذجية كبيرة، ويمكنها تنفيذ ما بين مهمتين وست مهمات قصف خلف خطوط العدو إذا سمحت الظروف الجوية.
ويحدد زناخار مسار الطيران الأولي خلال ثوانٍ عبر خريطة إلكترونية، ثم يعدل المسار لتجنب المناطق السكنية والمرتفعات ومواقع إطلاق المسيرات الاعتراضية.
وقال: إن التطور الأبرز خلال الفترة الأخيرة هو "زيادة عدد المسيرات، وخاصة الروسية منها".
أما زميله أناناس، البالغ من العمر 30 عامًا، فأصبح يتخذ إجراءات أمنية أكثر صرامة أثناء عمليات الإطلاق مقارنة ببداية عمل الوحدة قبل عامين، إذ أصبحت عمليات التحضير تتم تحت الأرض بدلًا من العمل في الحقول المفتوحة.
وكان أناناس قد درس الهندسة المعمارية وعمل فنانًا ثلاثي الأبعاد في شركة ألعاب فيديو، مشيرًا إلى أن خبرته في استخدام أجهزة التحكم ساعدته على أن يصبح قائد طائرة مسيرة، في مشهد يعكس تقلص المسافة بين عالم الألعاب والواقع العسكري.

العرب مباشر
الكلمات