محلل سياسي سوداني: استمرار الحرب يحول الاقتصاد إلى وقود للصراع ويعمق أزمة السودانيين

محلل سياسي سوداني: استمرار الحرب يحول الاقتصاد إلى وقود للصراع ويعمق أزمة السودانيين

محلل سياسي سوداني: استمرار الحرب يحول الاقتصاد إلى وقود للصراع ويعمق أزمة السودانيين
الحرب السودانية

تدخل الحرب في السودان عامها الرابع، فيما تتواصل التداعيات الإنسانية والاقتصادية للصراع، وسط تراجع حاد في قيمة العملة وارتفاع أسعار السلع وتضرر قطاعات الإنتاج والتجارة، بالتزامن مع استمرار القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023.

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو 34 مليون شخص في السودان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، فيما تجاوز عدد النازحين داخليًا 9 ملايين شخص، بينما أدى استمرار الحرب إلى تعطيل قطاعات حيوية وتراجع القدرة على توفير الخدمات الأساسية.

اقتصاد الحرب يفاقم معاناة السودانيين

وتكشف التطورات الاقتصادية الأخيرة حجم الضغوط التي يعيشها الاقتصاد السوداني، إذ فقد الجنيه السوداني خلال صيف 2026 ما يقرب من نصف قيمته في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، ليتجاوز سعر الدولار في السوق الموازية 7500 جنيه، مقارنة بنحو 4100 جنيه في مايو الماضي، وهو ما انعكس على أسعار السلع الأساسية وقدرة الأسر على تحمل تكاليف المعيشة.

ويرتبط هذا التدهور بما تصفه تقارير دولية بـ"اقتصاد الحرب"، حيث أصبحت السيطرة على الأراضي وطرق التجارة والموارد الطبيعية جزءا من آليات تمويل الأطراف المتحاربة واستمرار العمليات العسكرية.

وحذر تقرير للأمم المتحدة من أن استغلال الموارد والثروات وطرق التجارة في تمويل الحرب يؤدي إلى إطالة أمد الصراع، مشيرًا بصورة خاصة إلى تجارة الصمغ العربي باعتبارها أحد الأمثلة على تداخل الاقتصاد مع النزاع المسلح.

الضرائب والموارد تحت ضغط الحرب

وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، تتزايد الضغوط المالية على الحكومة مع تراجع الإيرادات وتعطل قطاعات الإنتاج والتصدير، فيما أقرت السلطات بإجراء توسعات في النظام الضريبي واستخدام أدوات رقمية للتحصيل بهدف زيادة الموارد المالية.

وتأتي هذه الإجراءات في وقت يعاني فيه المواطنون والتجار من ارتفاع تكاليف التشغيل وانهيار القوة الشرائية، ما يجعل أي زيادة في الأعباء المالية أكثر تأثيرًا على الأسواق والنشاط التجاري.

وفي المقابل، تواجه الدولة صعوبة في الحفاظ على الإيرادات العامة في ظل انقسام السيطرة على الموارد، إذ تشير تقارير حديثة إلى أن مناطق إنتاج مهمة للذهب والصمغ العربي أصبحت خارج سيطرة الحكومة، بينما يتم توجيه جزء من الإنتاج في المناطق الخاضعة للجيش نحو الاحتياجات العسكرية بدلا من الخزانة العامة.

الإخوان والحرب.. اتهامات بدور في إدارة الأزمة

وتتكرر اتهامات من خصوم جماعة الإخوان المسلمين في السودان بوجود نفوذ لعناصر محسوبة على التيار الإسلامي داخل مؤسسات مرتبطة بالسلطة القائمة في بورتسودان، وبالاستفادة من استمرار الحرب للحفاظ على النفوذ السياسي والاقتصادي.

لكن توصيف العلاقة بين جماعة الإخوان والحرب السودانية يحتاج إلى الفصل بين الوقائع الموثقة والاتهامات السياسية، خصوصا أن الصراع الحالي متعدد الأطراف، وتوجد شبكات مصالح اقتصادية وعسكرية مرتبطة بأطراف مختلفة، فيما تؤكد التقارير الدولية، أن اقتصاد الحرب أصبح أحد العوامل التي تساعد على استمرار النزاع.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن أطراف الصراع تعتمد بصورة متزايدة على السيطرة على الأراضي والموارد وطرق التجارة لتمويل العمليات، وهو ما يجعل الاقتصاد جزءًا أساسيًا من معادلة استمرار الحرب.

استمرار الحرب يهدد مستقبل السودان

وتحذر التقديرات الاقتصادية من أن استمرار القتال سيزيد تكلفة إعادة بناء السودان، بعدما أعاد الصراع مؤشرات التنمية إلى عقود سابقة.

ووفقًا لتحليل مشترك بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية، خسر السودان نحو 6.4 مليار دولار من الناتج المحلي في 2023 وحده، ودُفع نحو 7 ملايين شخص إلى الفقر المدقع خلال عام واحد. 

كما يحذر التحليل من أن استمرار الحرب حتى 2030 قد يدفع نسبة الفقر المدقع إلى أكثر من 60% من السكان.

ومع استمرار المواجهات وتراجع النشاط الاقتصادي وتدمير البنية التحتية، يبقى المواطن السوداني في قلب أزمة مركبة تجمع بين الحرب والنزوح والفقر وانهيار الخدمات، بينما تتزايد الحاجة إلى وقف القتال وفتح مسارات سياسية واقتصادية تسمح بإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة النشاط الإنتاجي.

وتؤكد الأمم المتحدة، أن نحو 34 مليون سوداني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم ملايين الأطفال، في وقت ما تزال فيه الخدمات الصحية والتعليمية والبنية الأساسية تحت ضغط شديد، ما يجعل استمرار الحرب عاملاً مباشرًا في تعميق الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

وقال المحلل السياسي السوداني مجدي عبدالغني: إن استمرار الحرب في السودان لم يعد يقتصر على المواجهات العسكرية، وإنما امتد بصورة مباشرة إلى الاقتصاد والأسواق وموارد الدولة؛ ما أدى إلى زيادة الضغوط المعيشية على المواطنين وتراجع القدرة الشرائية واتساع دائرة الفقر والنزوح.

وأوضح  المحلل السوداني للعرب مباشر، أن إطالة أمد الحرب خلقت ما يمكن وصفه باقتصاد الصراع، حيث أصبحت السيطرة على الموارد ومناطق الإنتاج وطرق التجارة أحد العوامل المؤثرة في قدرة الأطراف المتحاربة على الاستمرار، مشيرًا إلى أن هذا الوضع يجعل أي تدهور اقتصادي جديد عاملاً إضافيًا في إطالة الأزمة.

وأضاف: أن الحديث عن دور جماعة الإخوان والتيارات الإسلامية في المشهد السوداني يجب أن يرتبط بالوقائع المتعلقة بمواقع النفوذ والسيطرة داخل مؤسسات الدولة، وليس فقط بالشعارات السياسية، لافتًا إلى أن استمرار الحرب أتاح لشبكات مرتبطة بمراكز القوى المختلفة إعادة ترتيب مصالحها الاقتصادية والسياسية.

وأشار المحلل السياسي السوداني إلى أن الضغوط الضريبية وارتفاع أسعار السلع وتراجع قيمة الجنيه تمثل أعباء إضافية على التجار والمواطنين، خصوصًا في ظل تراجع الإنتاج وتضرر البنية التحتية وخروج قطاعات اقتصادية مهمة من دائرة العمل الطبيعي.

وأكد أن الأزمة الاقتصادية لا يمكن فصلها عن المسار العسكري، موضحًا أن استمرار الإنفاق المرتبط بالحرب، بالتزامن مع تراجع الإيرادات والإنتاج، يضع الاقتصاد السوداني أمام تحديات متزايدة، ويجعل المواطن يتحمل جانبًا كبيرًا من تكلفة الصراع.

وشدد على أن استعادة الاقتصاد السوداني لعافيته تتطلب أولًا وقف الحرب وفتح الطريق أمام عملية سياسية شاملة، بالتوازي مع حماية الموارد الوطنية ومنع استخدامها في تمويل العمليات العسكرية، والعمل على إعادة تشغيل قطاعات الإنتاج والتجارة والخدمات.

وأضاف أن استمرار الوضع الحالي يهدد بتوسيع دائرة الفقر والنزوح، ويجعل إعادة إعمار السودان أكثر صعوبة وكلفة، مؤكدًا أن أي تسوية سياسية مستدامة يجب أن تتضمن معالجة واضحة لملف الموارد والاقتصاد وشبكات المصالح التي نشأت خلال سنوات الحرب.