زلزال سياسي في بريطانيا.. استقالة ستارمر تمهّد لعودة بورنهام إلى داونينغ ستريت
زلزال سياسي في بريطانيا.. استقالة ستارمر تمهّد لعودة بورنهام إلى داونينغ ستريت
من المقرر أن تحصل بريطانيا على خامس رئيس وزراء خلال أربع سنوات، بعد إعلان رئيس الوزراء الحالي في داونينغ ستريت كير ستارمر عزمه على الاستقالة، بحسب ما نقلته صحيفة "الغارديان" البريطانية.
وكان هذا التطور متوقعًا على نطاق واسع، وجاء بعد أشهر من تصاعد الضغوط على ستارمر، الذي قاد حزب العمال إلى فوز ساحق في الانتخابات العامة البريطانية عام 2024، لكنه واجه لاحقًا ضغوطًا متزايدة من نواب حزبه في الجناح الوسطي اليساري للمطالبة بتنحيه.
ويمهد هذا الإعلان الطريق أمام استبداله خلال أسابيع بآندي بورنهام، الذي شغل منصب وزير في حكومة جوردون براون بين عامي 2007 و2010، ثم تولى منصب عمدة مانشستر الكبرى منذ عام 2017 وحتى الأسبوع الماضي.
ويُنظر إلى بورنهام داخل حزب العمال باعتباره الأمل الأبرز لمواجهة التحدي الذي يفرضه حزب الإصلاح الشعبوي اليميني بزعامة نايجل فاراج.
كيف وصلت السياسة البريطانية إلى هذه المرحلة؟
كان يُنظر إلى ستارمر، المحامي السابق المتخصص في حقوق الإنسان، على أنه قائد براغماتي قادر على إعادة الاستقرار بعد سنوات من الاضطراب السياسي والانقسامات الداخلية التي أدت إلى تغييرين في رئاسة الوزراء داخل حزب المحافظين بعد انتخابات 2019.
ورغم فوزه بأغلبية برلمانية هي الأكبر منذ قرن، فقد ساد شعور حتى داخل صفوف حزب العمال بأن ستارمر يفتقر إلى الحنكة السياسية والحسم. وقد تعزز هذا الانطباع بعد سلسلة من الأخطاء السياسية، من بينها خفض بعض إعانات الطاقة الشتوية للمتقاعدين، والتراجع عن إصلاحات في ملف الرعاية الاجتماعية عقب تمرد داخل البرلمان العام الماضي.
كما تعرضت قراراته لانتقادات حادة بعد تعيين وزير سابق مثير للجدل من حزب العمال، بيتر ماندلسون، سفيرًا لبريطانيا لدى الولايات المتحدة، رغم علاقاته المعروفة بجيفري إبستين المتهم في قضايا اعتداءات جنسية على الأطفال.
وبعد الكشف عن عمق تلك العلاقات في سبتمبر 2025، أقال ستارمر ماندلسون، لكن ذلك جاء متأخرًا لمنع تورط الحكومة ورئيسها في واحدة من أسوأ الفضائح السياسية منذ الحرب العالمية الثانية.
وفي ظل تراجع شعبيته بين الناخبين، تصاعد القلق داخل حزب العمال من عجزه عن مواجهة صعود حزب الإصلاح البريطاني المناهض للهجرة بقيادة فاراج.
وقد حقق حزب فاراج نتائج قوية في الانتخابات المحلية العام الماضي ومجددًا الشهر الماضي، ما أدى إلى تسارع فقدان الدعم لستارمر واستقالة عدد من وزرائه.
كما طالب عدد من أعضاء الحكومة بشكل علني وسري باستقالته، بينما دعا مؤيدو بورنهام إلى انتقال منظم للسلطة بدلاً من الدخول في سباق قيادة قد يفاقم الأزمة.
من هو آندي بورنهام؟
يُعد بورنهام، البالغ من العمر 56 عامًا، أحد قدامى حزب العمال، وقد خدم في حكومتي توني بلير وجوردون براون، ثم تولى منصب عمدة مانشستر الكبرى منذ عام 2017، بعد محاولتين فاشلتين لقيادة الحزب في 2010 و2015.
وقد حقق نجاحًا كبيرًا في هذا المنصب، حتى لُقب بـملك الشمال، بسبب حضوره القوي في سياسات شمال غرب إنجلترا وإشرافه على نمو اقتصادي ملحوظ في منطقة تُعد الأسرع نمواً في بريطانيا.
ويُنظر إليه داخل الحزب، بما في ذلك من الجناح المعتدل، كحل لأزمات الحزب وتراجع شعبيته في معاقله التقليدية بين الطبقة العاملة.
وفي يناير، منعه حلفاء ستارمر من العودة إلى البرلمان عبر مقعد شاغر في منطقة مانشستر، لكنهم لم يتمكنوا من منعه من خوض الانتخابات الفرعية الجديدة هذا الشهر في شمال غرب إنجلترا، والتي فاز بها بعد انسحاب النائب المحلي.
وقد مهد فوزه في دائرة ماكيرسفيلد الطريق لعودته إلى البرلمان البريطاني، ما يجعله مؤهلاً لقيادة حزب العمال ومن ثم تولي رئاسة الحكومة.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
كان ستارمر قد أبلغ الملك تشارلز الثالث بنيته الاستقالة وفق الأعراف الدستورية قبل إعلان القرار رسميًا للرأي العام.
وخلال خطاب الاستقالة، أوضح أنه سيطلب من اللجنة التنفيذية الوطنية للحزب وضع جدول زمني لانتخاب زعيم جديد، بحيث تبدأ الترشيحات في 9 يوليو، مع انتهاء مرحلة النقاشات الداخلية بحلول 16 يوليو قبل عطلة البرلمان الصيفية.
وفي حال ترشح أكثر من مرشح واحد، ستُجرى انتخابات داخل الحزب تشمل أعضاء الحزب ونقاباته، بينما يبقى ستارمر في منصبه مؤقتًا حتى استئناف البرلمان في الأول من سبتمبر.
لكن من المرجح تجنب سباق انتخابي، بعد إعلان ويس ستريتينغ، وزير الصحة السابق وأحد أبرز قيادات الحزب، انسحابه من الترشح ودعمه لبورنهام.
وفي حال عدم وجود منافسين، يُتوقع أن يصبح بورنهام زعيمًا لحزب العمال في منتصف يوليو، على أن يتلقى دعوة من الملك لتشكيل الحكومة.
تحديات تواجه آندي بورنهام
يرتكز سجل بورنهام في مانشستر الكبرى على مزيج من النمو الاقتصادي والسياسات الاجتماعية، ما يمنح أنصاره دليلاً على قدرته على الجمع بين الاقتصاد الاجتماعي والسياسات الداعمة للأعمال.
ويرى البعض أن توجهاته السياسية، بما في ذلك أفكاره المرتبطة بنقل الصلاحيات من لندن إلى المدن البريطانية، ما يُعرف بـالمانشسترية، تعكس رؤية أكثر تدخلية للدولة في الاقتصاد.
كما يُنظر إليه باعتباره أقرب إلى الجناح اليساري المعتدل في حزب العمال، في حين انتقده خصومه بسبب مواقف سابقة اعتبروا أنها متغيرة بشأن قضايا مثل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي.
ورغم ذلك، تشير مصادر مقربة منه إلى دعمه لتعديلات مثيرة للجدل في سياسات الهجرة التي تبنتها حكومة ستارمر، وهو ما قد يثير انقسامات داخل الحزب.
من المقرر أن تُجرى الانتخابات العامة البريطانية المقبلة بحلول أغسطس 2029، مع إمكانية الدعوة إليها في وقت مبكر.
ويتصدر حزب الإصلاح البريطاني بقيادة فاراج استطلاعات الرأي منذ العام الماضي، مع توقعات بأن يصبح قادراً على تشكيل الحكومة في الانتخابات المقبلة.
ويحاول بورنهام تقديم نفسه كمرشح قادر على مواجهة هذا الصعود، مستندًا إلى نجاحه في الانتخابات المحلية الأخيرة في ماكيرسفيلد.
لكن التحدي لا يقتصر على حزب الإصلاح فقط، إذ يواجه حزب العمال منافسة من حزب الخضر في إنجلترا وويلز، إضافة إلى الأحزاب القومية في اسكتلندا وويلز.
تحديات اقتصادية وسياسية معقدة
بعيدًا عن المنافسة الانتخابية، يواجه بورنهام تحديات اقتصادية كبرى، تشمل تمويل الإنفاق الدفاعي، وإصلاح نظام الرعاية الاجتماعية، إضافة إلى معالجة التحديات الاقتصادية المتزايدة.
كما يبرز تحدٍ أساسي يتمثل في إنعاش الاقتصاد البريطاني، وتمكينه من مواجهة تداعيات الأزمات الدولية، بما في ذلك التوترات المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط.

العرب مباشر
الكلمات