محلل سياسي تونسي: الإخوان فقدوا أدوات التأثير.. والدولة ماضية في تفكيك شبكات النفوذ
محلل سياسي تونسي: الإخوان فقدوا أدوات التأثير.. والدولة ماضية في تفكيك شبكات النفوذ
تواصل الدولة التونسية معركتها ضد جماعة الإخوان وشبكات النفوذ المرتبطة بها، في مواجهة تستهدف إنهاء إرث سنوات من الاضطراب السياسي والاقتصادي الذي أعقب سقوط نظام زين العابدين بن علي، ووضع حد لمحاولات إعادة تدوير المنظومة التي تصدرتها حركة النهضة لسنوات.
وفي أحدث رسائله، رفع الرئيس التونسي قيس سعيد سقف المواجهة، مؤكدًا أن تفكيك شبكات الفساد يمثل المدخل الطبيعي لتحقيق مطالب الشعب، ومشددًا على أن الدولة لن تسمح بتحويل الأزمات والخدمات العامة إلى أدوات لإشعال الفوضى أو الضغط على مؤسساتها.
رسائل سعيد جاءت واضحة في حديثه عن محاولات تأجيج الأوضاع عبر إضرام الحرائق وقطع المياه والكهرباء وتعطيل مصالح المواطنين، وهي ممارسات وضعها الرئيس في إطار تحركات تستهدف إرباك الدولة وضرب قدرتها على أداء وظائفها، مؤكدًا أن الشعب التونسي أثبت قدرته على إحباط هذه المحاولات.
المواجهة الحالية ليست وليدة اللحظة، وإنما تمثل امتدادًا لصراع بدأ يتصاعد منذ وصول حركة النهضة، المحسوبة على جماعة الإخوان، إلى قلب الحياة السياسية التونسية عقب عام 2011. فالحركة تحولت خلال سنوات قليلة إلى قوة انتخابية وبرلمانية رئيسية، وشاركت في تشكيل الحكومات والتحالفات، قبل أن تبدأ شعبيتها ونفوذها في التراجع مع تصاعد الأزمات السياسية والاقتصادية.
ومع مرور الوقت، أصبح اسم الإخوان في تونس مرتبطا في الخطاب السياسي والشعبي بملفات شديدة الحساسية، من بينها إدارة الحكم، شبكات المصالح، التمويل السياسي، الجهاز السري، وقضية التسفير إلى مناطق الصراع، وهي ملفات تحولت إلى ساحات تحقيق وقضاء وصراع سياسي متواصل.
وجاءت نقطة التحول الكبرى في يوليو 2021، عندما اتخذ قيس سعيد إجراءات استثنائية شملت تجميد عمل البرلمان ثم حلّه لاحقًا، في خطوة أنهت عمليا الدور السياسي الذي كانت تؤديه حركة النهضة داخل المؤسسة التشريعية. ومنذ ذلك التاريخ، انتقلت الحركة من موقع الشريك في الحكم إلى موقع المواجهة المباشرة مع السلطة.
ولم تتوقف تداعيات هذا التحول عند إسقاط النفوذ البرلماني للإخوان، بل امتدت إلى قيادات الحركة وشخصيات سياسية بارزة، مع فتح قضايا وتحقيقات في ملفات متعددة.
وتقول السلطات: إن هذه الإجراءات تستهدف محاسبة المسؤولين عن الجرائم والفساد وحماية الدولة، بينما ترفض قيادات الحركة الاتهامات وتعتبر الملاحقات ذات دوافع سياسية.
لكن أهمية المواجهة الحالية تتجاوز مصير حركة النهضة نفسها، إذ يطرح قيس سعيد معركته باعتبارها مواجهة مع "منظومة" كاملة، تضم شبكات سياسية واقتصادية وإدارية يرى أنها استفادت من الفوضى وتداخلت مصالحها داخل مؤسسات الدولة.
ولهذا السبب، يكرر الرئيس التونسي الحديث عن "شبكات تتلون بكل لون"، في رسالة مفادها: أن سقوط النفوذ السياسي المباشر للإخوان لا يعني بالضرورة انتهاء قدرتهم على التأثير، وأن المعركة الحقيقية بالنسبة للدولة تتمثل في تفكيك شبكات المصالح التي يمكن أن تعمل من خلف الستار أو عبر أدوات جديدة.
وفي هذا السياق، تتحول الأزمات اليومية للمواطن التونسي إلى ساحة أخرى للصراع. فالمياه والكهرباء والخدمات والإدارة ليست مجرد ملفات معيشية، وإنما يمكن أن تصبح، وفقًا للرؤية الرسمية، أدوات لاستغلال الغضب الشعبي وإعادة توجيهه ضد الدولة.
وتحاول السلطة قطع الطريق أمام هذا السيناريو من خلال التأكيد على أن معالجة الأزمات يجب أن تتم داخل مؤسسات الدولة، وأن الاحتجاج أو المطالبة بالحقوق لا يمكن أن تتحول إلى غطاء للتخريب أو تعطيل مصالح المواطنين.
وفي المقابل، تواجه السلطة تحديًا لا يقل أهمية، يتمثل في إثبات أن معركة تفكيك الإخوان وشبكات الفساد يمكن أن تنتج واقعا أفضل للمواطن، وليس مجرد صراع سياسي طويل. فالتونسيون ينتظرون نتائج ملموسة في الأسعار والتشغيل والصحة والخدمات والاستثمار، وهي ملفات لا يمكن حسمها بالخطاب السياسي وحده.
وتبقى جماعة الإخوان أمام واقع مختلف تماما عما كان عليه المشهد قبل سنوات؛ فقد فقدت حركة النهضة موقعها المركزي في مؤسسات الحكم، وتراجعت قدرتها على التأثير المباشر في صناعة القرار، بينما أصبحت قيادات بارزة منها أمام قضايا وأحكام وتحقيقات، في وقت تؤكد فيه الدولة أنها ماضية في استكمال مسار المحاسبة.
وبينما ترفع السلطة شعار القضاء على الفساد وإعادة بناء الدولة، يظل الصراع مع الإخوان أحد أبرز عناوين المرحلة التونسية، خصوصًا أن قيس سعيد يربط بصورة مباشرة بين تفكيك شبكات النفوذ وبين استعادة الدولة لهيبتها وقدرتها على العمل.
المعركة إذن لم تعد مجرد خلاف بين رئيس وحركة سياسية، وإنما صراع على شكل الدولة التونسية نفسها: دولة يقول سعيد إنها يجب أن تتحرر من شبكات المصالح والفوضى، في مواجهة قوى سياسية ترى أن الإجراءات التي اتخذها الرئيس أخرجتها من المشهد وأعادت تشكيل قواعد اللعبة.
وفي ظل استمرار هذه المواجهة، تبدو الرسالة الرئاسية حاسمة: لا عودة إلى المنظومة السابقة، ولا مساحة لمن يحاول استغلال الأزمات لإعادة إنتاج نفوذ الإخوان، فيما يبقى الاختبار الحقيقي أمام الدولة هو تحويل هذا الصراع إلى إصلاح مؤسسي واقتصادي يلمسه المواطن التونسي في حياته اليومية.
قال المحلل السياسي التونسي منذر ثابت: إن تصريحات الرئيس قيس سعيد بشأن تفكيك شبكات الفساد ومواجهة محاولات تأجيج الأوضاع تعكس استمرار الدولة في استكمال مسار إنهاء نفوذ المنظومة السياسية التي تصدرتها حركة النهضة الإخوانية خلال سنوات ما بعد 2011.
وأوضح ثابت للعرب مباشر، أن جماعة الإخوان في تونس لم تعد تمتلك الأدوات السياسية التي كانت تستخدمها سابقا، بعد تراجع حركة النهضة وخروجها من مؤسسات الحكم، مؤكدًا أن المواجهة الحالية باتت تركز بصورة أكبر على تفكيك شبكات المصالح والنفوذ التي تشكلت خلال سنوات وجودها في المشهد السياسي.
وأضاف: أن حديث قيس سعيد عن محاولات تعطيل الخدمات وإرباك مؤسسات الدولة يحمل رسالة مباشرة بأن السلطة لن تسمح باستغلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لإعادة إنتاج الفوضى أو منح الإخوان فرصة لاستعادة حضورهم من خارج المؤسسات.
وأشار إلى أن تجربة السنوات الماضية كشفت حجم الأزمات التي خلفها الصراع السياسي وتداخل المصالح، وهو ما جعل ملف الفساد أحد أبرز العناوين التي تستخدمها الرئاسة في مواجهة المنظومة السابقة، بالتوازي مع الإجراءات القضائية التي طالت عددا من قيادات حركة النهضة وشخصيات سياسية مرتبطة بها.
وأكد ثابت، أن الإخوان يحاولون الحفاظ على ما تبقى من نفوذهم عبر الخطاب السياسي والإعلامي واستثمار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، إلا أن الدولة التونسية أصبحت أكثر تشددًا في التعامل مع أي تحركات ترى أنها تستهدف مؤسساتها أو تهدد الاستقرار الداخلي.
وشدد على أن المعركة مع الإخوان لم تعد معركة انتخابية أو برلمانية، وإنما أصبحت مرتبطة بمستقبل الدولة نفسها، وقدرتها على استعادة مؤسساتها وقطع الطريق أمام شبكات المصالح التي استفادت من حالة الاستقطاب السياسي التي شهدتها تونس طوال السنوات الماضية.

العرب مباشر
الكلمات