من دير حافر إلى أربيل.. خرائط النفوذ تُعاد رسمها بين دمشق و"قسد"
من دير حافر إلى أربيل.. خرائط النفوذ تُعاد رسمها بين دمشق و"قسد"
لم تكن دير حافر مجرّد مدينة أخرى تعود إلى خريطة السيطرة الحكومية في سوريا، بل بدت كحلقة مفصلية في مسار سياسي–عسكري أكثر تعقيدًا، يتجاوز حدود ريف حلب الشرقي ليصل إلى غرف القرار في أربيل وواشنطن.
دخول الجيش السوري إلى المدينة بعد انسحاب "قوات سوريا الديمقراطية" لم يأتِ كتحرّك ميداني معزول، بل كترجمة مباشرة لتحولات أوسع في ميزان القوى، ومساعٍ إقليمية ودولية لإعادة ضبط العلاقة بين دمشق والإدارة الكردية، في الوقت ذاته، كانت أربيل تستعد لاجتماع عالي الحساسية يجمع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك بقائد "قسد" مظلوم عبدي، في محاولة لإعادة لملمة خيوط اتفاق تعثّر منذ توقيعه في مارس الماضي، بين الميدان وطاولة التفاوض، تتشكّل معادلة جديدة لسوريا ما بعد الحرب دولة تسعى لاستعادة سيادتها الكاملة، وقوة كردية تبحث عن موقعها داخل هذه الدولة، ووسيط أميركي يحاول منع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
انسحاب وسيطرة
أعلن الجيش السوري، صباح السبت، بسط سيطرته الكاملة على مدينة دير حافر في ريف حلب الشرقي، بعد ساعات من انسحاب "قوات سوريا الديمقراطية" منها، عقب اشتباكات محدودة بين الطرفين، وجاء الإعلان عبر بيان رسمي بثّه التلفزيون السوري، أكد فيه أن القوات الحكومية دخلت المدينة وانتشرت في أحيائها ومحيطها.
على الأرض، رصد مراسلون تحركات عسكرية كثيفة شملت دبابات وآليات ثقيلة اتجهت من غرب حلب نحو المناطق الواقعة شرقي المدينة.
وطلب الجيش من المدنيين الامتناع عن العودة مؤقتًا إلى المنطقة، ريثما تُستكمل عمليات التمشيط وإزالة الألغام والمخلّفات الحربية، في إشارة إلى أن السيطرة العسكرية لا تزال في طور التثبيت.
هذه الخطوة جاءت تتويجًا لمسار بدأ قبل أيام، عندما تمكنت القوات الحكومية من إخراج مقاتلي "قسد" من حيّي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب، ثم طالبتهم بإخلاء الشريط الممتد حتى نهر الفرات، على مسافة تقارب 30 كيلومترًا شرق المدينة، ومع انسحاب القوات الكردية من دير حافر، باتت دمشق أقرب من أي وقت مضى إلى استعادة السيطرة المباشرة على عقدة جغرافية تربط حلب بشرق البلاد.
عملية الدمج
غير أن المشهد الميداني لا يمكن فصله عن الحراك السياسي الموازي، ففي أربيل، وصل المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك وقائد "قسد" مظلوم عبدي لعقد سلسلة لقاءات مع قيادة إقليم كردستان العراق، تتقدمها جلسة مع مسعود بارزاني، ثم اجتماع منفرد بين باراك وعبدي، يعقبه لقاء موسّع مع رئيس الإقليم نيجرفان بارزاني.
تأتي هذه الاجتماعات في توقيت بالغ الحساسية، فالاتفاق الموقع في العاشر من مارس الماضي بين دمشق و"قسد" كان يفترض أن يضع إطارًا لدمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية ضمن الدولة السورية بحلول نهاية 2025.
إلا أن التطبيق تعثّر سريعًا، وتبادلت الأطراف الاتهامات بإفراغه من مضمونه. دمشق تتهم "قسد" بالمماطلة والحفاظ على بنية حكم موازية، بينما ترى الإدارة الكردية أن الحكومة السورية لم تقدّم ضمانات سياسية وإدارية حقيقية.
إعلان مظلوم عبدي انسحاب قواته من المناطق الواقعة شرقي حلب جاء، بحسب قوله: "استجابة لدعوات من الدول الصديقة والوسطاء، وإبداءً لحسن النية في استكمال عملية الدمج"، وقد رحّبت وزارة الدفاع السورية بهذه الخطوة، مؤكدة أن قواتها ستتولى الانتشار فورًا بعد الانسحاب.
لكن خلف لغة "حسن النية" تختبئ حسابات أعقد، فـ"قسد" التي تسيطر على مساحات واسعة في شمال وشرق سوريا، تضم أبرز حقول النفط والغاز، ما تزال ترى نفسها شريكًا أساسيًا في معادلة ما بعد الحرب، لا مجرد قوة محلية تحلّ وتدمج دون مقابل سياسي واضح، وهي تستند في ذلك إلى سجلّها العسكري في مواجهة تنظيم داعش، حين شكّلت رأس حربة التحالف الدولي وتمكنت من دحر التنظيم من آخر معاقله عام 2019 بدعم أميركي مباشر.
دور أمريكي مزدوج
من جهة أخرى، تسعى دمشق إلى استثمار اللحظة الإقليمية الجديدة، حيث تنخفض حدّة الصراع المفتوح، ويزداد الضغط الدولي باتجاه تسويات داخلية تعيد بناء الدولة السورية على أسس موحدة.
السيطرة على دير حافر لا تحمل قيمة عسكرية فحسب، بل رمزية أيضًا إنها رسالة بأن الدولة عادت لتبسط حضورها في مناطق كانت خارج سيطرتها لسنوات.
نهاية فكرة الخطوط الحمراء
من جانبه، يقول طارق أبو زينب: إن ما جرى في دير حافر يتجاوز كونه تبدّلًا ميدانيًا محدودًا، ليعكس تحوّلًا بنيويًا في طبيعة العلاقة بين الدولة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية"، مضيفًا، إن دمشق باتت تتعامل مع الملف الكردي من موقع الطرف الأقوى سياسيًا وميدانيًا، مستفيدة من تراجع شهية الصدام لدى القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي لم تعد ترى في شرق الفرات ساحة مفتوحة للصراع كما في السنوات الماضية.
ويضيف أبو زينب -في حديثه لـ"العرب مباشر"-، أن انسحاب "قسد" من محيط حلب يحمل دلالة رمزية عميقة، إذ يعني عمليًا نهاية فكرة "الخطوط الحمراء" بين مناطق النفوذ داخل الجغرافيا السورية، ويفتح الباب أمام إعادة توحيد تدريجية للسلطة، ولو تحت سقوف تفاوضية معقّدة، لكنه يحذّر في الوقت ذاته من قراءة الخطوة بوصفها استسلامًا كرديًا، معتبرًا أن القيادة الكردية تحاول إعادة تموضع ذكي يحفظ لها دورًا سياسيًا داخل الدولة المقبلة، بدل المجازفة بمواجهة خاسرة.
ويؤكد أن اجتماع أربيل يعكس إدراكًا أميركيًا بأن إدارة هذا الانتقال تتطلب مخرجًا تفاوضيًا يضمن استقرار المناطق الشرقية، ويمنع انهيار التوازن الهش. برأيه، المرحلة المقبلة لن تكون صدامية بقدر ما ستكون تفاوضية شاقة، عنوانها: كيف تُستعاد الدولة دون أن تُلغى الهويات المحلية التي نشأت في زمن الحرب.
واختتم، الدور الأميركي في هذا المشهد يبدو مزدوجًا، فمن جهة، تريد واشنطن الحفاظ على شريكها الكردي ومنع انهيار "قسد" سياسيًا أو أمنيًا، ومن جهة أخرى، تدرك أن استمرار الانقسام الجغرافي والإداري في سوريا يهدد أي استقرار طويل الأمد.

العرب مباشر
الكلمات