قاضٍ أمام الكاميرا.. من هو غلام محسني إجئي مسؤول صناعة الخوف الإيراني؟
قاضٍ أمام الكاميرا.. من هو غلام محسني إجئي مسؤول صناعة الخوف الإيراني؟
في إحدى غرف الاحتجاز بطهران، جلس رجل بعمامة سوداء ونبرة هادئة أمام شابة منهكة، خلفه صورة المرشد الأعلى، وأمامه كاميرا تبث إلى ملايين الإيرانيين، لم يكن المشهد مجرد استجواب قضائي، بل لحظة سياسية مكتملة الأركان، الدولة تُعيد تشكيل الحقيقة على الهواء، غلام حسين محسني إجئي، رئيس السلطة القضائية الإيرانية، لا يظهر هنا بوصفه قاضيًا فحسب، بل كوجهٍ لمنظومة ترى في “الاعتراف” أداةً لإدارة الخوف، وفي العدالة وسيلةً للضبط. بين سيرة طويلة في أجهزة الأمن، ومشهد راهن يتكرر في كل موجة احتجاج، يتحول الرجل إلى رمز لمرحلة كاملة من تاريخ الجمهورية الإسلامية.
من مدرسة الحوزة إلى دهاليز الدولة
وُلد غلام حسين محسني إجئي في بيئة دينية محافظة، وتدرّج في مدارس الحوزة كما يفعل معظم رجال السلطة في إيران، غير أن مساره لم يتوقف عند حدود الفقه، بل اتجه مبكرًا إلى التقاطع مع الدولة الأمنية الناشئة بعد الثورة، في الثمانينيات، حين كانت الجمهورية الإسلامية تعيد تشكيل نفسها عبر الحرب مع العراق وتصفية الخصوم الداخليين، وجد إجئي مكانه في قلب هذا التحول القضاء والأمن معًا.
تولّى مناصب متعددة داخل الجهاز القضائي، أبرزها منصب المدعي العام في طهران، ثم وزير الاستخبارات، قبل أن يعود مجددًا إلى القضاء رئيسًا له، هذا التناوب بين المؤسستين لم يكن تفصيلاً إداريًا، بل علامة على طبيعة الرجل قاضٍ بعقلية رجل أمن، يرى القانون امتدادًا للسلطة لا قيدًا عليها. في هذا السياق، تتهمه جماعات حقوقية بالضلوع في الإعدامات الجماعية للسجناء السياسيين عام 1988، وهي واحدة من أظلم صفحات التاريخ الإيراني الحديث.
هنا تشكّلت شخصية إجئي المهنية رجل يعتقد أن الدولة مهددة على الدوام، وأن الحزم – حتى في أقسى صوره – فضيلة وطنية، لم يكن مجرد منفذ لتوجيهات عليا، بل أحد مهندسي منطق الردع القضائي، حيث يتحول الحكم إلى رسالة سياسية، ويغدو القاضي طرفًا في معركة الهوية والسلطة.
القضاء كجبهة سياسية
مع كل موجة احتجاج شهدتها إيران، من الحركة الخضراء عام 2009 إلى انتفاضات 2019 ثم احتجاجات 2022، كان اسم محسني إجئي حاضرًا.
صعوده إلى رئاسة السلطة القضائية جاء في لحظة حساسة: دولة تواجه مجتمعًا شابًا، متصلًا بالعالم، وأقل استعدادًا لقبول السرديات الرسمية. هنا لم يعد القضاء مؤسسة فصل في النزاعات، بل خط دفاع متقدم عن النظام.
في عام 2024، وصفت منظمة متحدون ضد إيران النووية إجئي بأنه منفذ قاسٍ للأحكام ولا يكترث لحقوق الإنسان، وهي عبارة تختصر صورة ترسخت دوليًا، تُوّجت بعقوبات أوروبية وأميركية بحقه. لكن داخل النظام، يُنظر إليه بوصفه رجل المرحلة الصعبة، القادر على “ضبط الإيقاع” حين يختل.
ظهوره العلني في استجواب المحتجزين خلال الاحتجاجات الأخيرة لم يكن تصرفًا عابرًا، خمس ساعات قضاها في أحد سجون طهران، وأمام الكاميرات جلس يسأل نساءً منهارات: لماذا؟ ومن أجل من؟ في دولة تعرف قوة الصورة، كان المشهد رسالة مزدوجة للشارع بأن الدولة ترى وتسمع وتعاقب، وللنخبة بأن القضاء في قلب المعركة السياسية.
هكذا تحوّل إجئي من مسؤول إداري إلى رمز. لم يعد مجرد رئيس للسلطة القضائية، بل وجهًا إعلاميًا لنهج كامل، حيث تُختصر العدالة في مشهد اعتراف، ويُختزل الصراع الاجتماعي في دمعة أمام الكاميرا.
الاعتراف.. أداة حكم
تثير الاعترافات القسرية التي تبثها وسائل الإعلام الحكومية جدلًا واسعًا داخل إيران وخارجها، منظمات مثل حقوق الإنسان في إيران وهرانا تؤكد أن هذه الاعترافات تُنتزع تحت الإكراه والتعذيب، وتُبث قبل أي إجراءات قانونية، في انتهاك صارخ لمبدأ قرينة البراءة، في إحدى الحالات، ظهرت فتاتان مراهقتان تعترفان بتلقي أموال للمشاركة في الاحتجاجات، دون أي أدلة مرافقة.
في اللقطات الأخيرة، جلس إجئي في غرفة تحيط بها رموز السلطة مسؤولون رسميون وصورة خامنئي في الخلفية، تسأل امرأة نفسها: "لماذا فعلتُ هذه الحماقة؟"، بينما يضغط هو بهدوء على تفاصيل اليوم والساعة، لا وثائق، لا شهود، فقط سرد يُعاد تشكيله أمام الكاميرا، هنا يتجاوز القضاء دوره التقليدي، ليصبح مسرحًا سياسيًا.
الولايات المتحدة حمّلت طهران مسؤولية معاناة شعبها، وفرضت عقوبات جديدة بسبب قمع المحتجين، لكن في الداخل، يُقدَّم إجئي كحارس للاستقرار، رجل يمنع البلاد من الانزلاق إلى الفوضى.
بين هاتين الصورتين، يتجسد التناقض الإيراني الأكبر دولة ترى في القبضة الحديدية ضمانة للبقاء، ومجتمع يرى فيها سببًا للاختناق.

العرب مباشر
الكلمات