من الركام إلى الدولة المصغّرة.. كيف تعيد اللجنة الوطنية رسم مستقبل غزة؟
من الركام إلى الدولة المصغّرة.. كيف تعيد اللجنة الوطنية رسم مستقبل غزة؟
مع بدء فجر جديد في قطاع غزة، بدا أن المشهد السياسي يدخل طورًا غير مسبوق، عنوانه "الإدارة الانتقالية" تحت مظلة دولية واسعة، فبين ركام الحرب وأسئلة المستقبل المفتوحة، أعلن الدكتور علي شعث انطلاق العمل الرسمي للجنة الوطنية لإدارة غزة، في خطوة تتجاوز البعد الإداري إلى إعادة تعريف شكل الحكم والانتقال السياسي في القطاع.
الإعلان، الذي جاء عبر أول قرارات موقعة وبيان تأسيسي، يحمل في طياته محاولة لصياغة واقع جديد لغزة، يقوم على إعادة البناء لا بوصفها عملية هندسية فحسب، بل كمشروع سياسي واجتماعي شامل.
في خلفية المشهد تقف قرارات أممية وخطة سلام أمريكية متعددة النقاط، يقودها الرئيس دونالد ترامب، ما يمنح الخطوة بعدًا دوليًا ثقيل الوزن، هكذا، لا يبدو أن غزة مقبلة على مجرد مرحلة ترميم، بل على تجربة إدارة انتقالية تُختبر فيها إمكانات الانتقال من ساحة صراع دائم إلى مساحة تُدار بمنطق الدولة والحوكمة والسلام.
انطلاق رسمي ورسالة سياسية مزدوجة
إعلان علي شعث لم يكن إجراءً بيروقراطيًا عاديًا، بل رسالة سياسية مكتملة الأركان فاعتماد البيان التأسيسي للجنة الوطنية لإدارة غزة مثّل، وفق تعبيره، تثبيتًا للولاية الإدارية ومبادئ العمل، وتأكيدًا على أن اللجنة ليست إطارًا مؤقتًا بلا مرجعية، بل كيان يستند إلى مظلة قانونية دولية واضحة.
في منشوره عبر منصة "إكس"، حرص شعث على ربط الخطوة الأولى بقرار أممي وخطة سلام أمريكية، في إشارة إلى أن اللجنة تتحرك ضمن هندسة سياسية أوسع، تتجاوز السياق المحلي الفلسطيني، وتندرج في إطار دولي يسعى إلى إعادة صياغة مستقبل القطاع.
هذا الربط يعكس إدراكًا لطبيعة المرحلة غزة لم تعد تُدار فقط بمنطق الأمر الواقع، بل بوصفها ملفًا دوليًا مركزيًا، تتقاطع فيه الحسابات السياسية والأمنية والاقتصادية للقوى الكبرى.
مرجعية أممية وخارطة طريق أمريكية
يستند عمل اللجنة إلى قرار صادر عن مجلس الأمن، وإلى خطة سلام أمريكية تتضمن عشرين نقطة أعلنها الرئيس دونالد ترامب.
ووفق شعث، فإن المرحلة الانتقالية يجب ألا تُختزل في إدارة مؤقتة للأزمة، بل أن تتحول إلى قاعدة صلبة لازدهار فلسطيني مستدام.
اللغة المستخدمة في تصريحات رئيس اللجنة توحي بمحاولة الخروج من منطق "إدارة الكارثة" إلى منطق "بناء النموذج"، فغزة، وفق هذا التصور، ليست فقط منطقة منكوبة تحتاج إلى مساعدات عاجلة، بل كيان سياسي واجتماعي يمكن إعادة تشكيله على أسس جديدة اقتصاد منتج، مؤسسات شفافة، وأفق سياسي قابل للحياة.
هذا التحول في الخطاب يعكس انتقالًا من التعامل مع غزة كملف أمني طارئ إلى التعامل معها كمشروع دولة مصغّرة في طور التكوين.
إعادة إعمار تتجاوز الأسمنت والحديد
أحد أبرز ملامح الرؤية التي طرحها شعث هو توسيع مفهوم الإعمار، فالمهمة، بحسب قوله، لا تتعلق بإعادة بناء المباني والجسور فقط، بل بإحياء النسيج المجتمعي واستعادة الأمل في المستقبل.
تحت إشراف مجلس السلام الدولي، وبدعم "الممثل السامي لغزة"، تسعى اللجنة إلى بناء نموذج إدارة يعيد الثقة بين المواطن والمؤسسة، ويحوّل الإعمار من عملية هندسية إلى مسار اجتماعي وسياسي متكامل.
هذا الطرح يعكس وعيًا بأن الدمار في غزة لم يكن ماديًا فقط، بل طال البنية النفسية والاجتماعية للسكان، وأن أي مشروع ناجح لا بد أن يعالج آثار الحرب على مستوى الإنسان قبل الحجر.
الأمن والخدمات: قاعدة الاستقرار
في صدارة الأولويات تأتي مسألة الأمن واستعادة الخدمات الأساسية، فالكهرباء والمياه والرعاية الصحية والتعليم ليست مجرد مرافق، بل شروط أولية لاستعادة الكرامة الإنسانية.
يربط شعث بين هذه الخدمات وبين بناء مجتمع قائم على السلام والديمقراطية وسيادة القانون. فغياب الخدمات، وفق هذا المنطق، لا يخلق فقط معاناة معيشية، بل يفتح الباب أمام الفوضى وتآكل فكرة الدولة.
كما يبرز دور "اللجنة الاستشارية الوطنية للحكم الرشيد" بوصفها الذراع التي ستعمل على ترسيخ الشفافية وبناء اقتصاد منتج يوفر فرصًا متكافئة، ويكسر دائرة البطالة المزمنة التي غذّت على مدى سنوات بيئة عدم الاستقرار.
في خاتمة تصريحاته، يضع شعث السلام في قلب المعادلة الفلسطينية. فبدون سلام، لا يمكن – وفق رؤيته – ضمان الحقوق المشروعة ولا فتح الطريق نحو تقرير المصير.
هذا الطرح يعيد ترتيب العلاقة التقليدية بين المقاومة والحقوق، ويقترح مسارًا بديلًا يقوم على أن السلام ليس تنازلًا، بل أداة لتحقيق العدالة والاستقرار. وهي مقاربة تنسجم مع الرؤية الدولية التي تقف خلف تشكيل اللجنة.
هندسة أمريكية لإدارة المرحلة
يتزامن بدء عمل اللجنة مع إعلان الإدارة الأمريكية تشكيل هيئة تنفيذية لتحويل "رؤية مجلس السلام" إلى خطوات عملية.
التشكيل يعكس طابعًا متعدد المسارات، يجمع بين السياسة والدبلوماسية والمال.
يضم المجلس شخصيات بارزة مثل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، وتوني بلير، إلى جانب أسماء من البنك الدولي وشركات استثمار عالمية، وممثلين عن تركيا وقطر ومصر والإمارات، فضلًا عن شخصيات أوروبية وإسرائيلية.
هذا الخليط يعكس تصورًا لغزة بوصفها مشروعًا دوليًا لإعادة البناء، لا مجرد ملف إنساني. فالمسألة تتعلق بإعادة دمج القطاع في الاقتصاد الإقليمي والدولي، وتحييده تدريجيًا عن منطق الصراع الدائم.
القاهرة منصة الانطلاق
أول اجتماع للجنة في القاهرة حمل رمزية خاصة، إذ جاء تعليق ماركو روبيو ليؤكد الرهان الأمريكي على هذه الصيغة الجديدة.
فوزير الخارجية عبّر صراحة عن تطلعه للعمل مع علي شعث لبناء "مستقبل أفضل لشعب غزة والمنطقة بأكملها".
بهذا المعنى، تتحول اللجنة الوطنية لإدارة غزة إلى نقطة تقاطع بين المحلي والدولي، بين الفلسطيني والقرار الأممي، وبين معادلة الأمن والتنمية.
ويبقى السؤال المفتوح: "هل تنجح هذه الصيغة في كسر الحلقة التاريخية للصراع، أم أنها ستصطدم بواقع غزة المعقّد، حيث تختلط السياسة بالجراح المفتوحة والذاكرة الثقيلة؟".

العرب مباشر
الكلمات