إيران أمام مفترق طرق.. المواجهة تستنزفها والتسوية تُهدد المتشددين
إيران أمام مفترق طرق.. المواجهة تستنزفها والتسوية تُهدد المتشددين
اثارت أحدث جولة من الهجمات الأمريكية والإيرانية الجدل داخل طهران حول ما إذا كانت البلاد تمر بأزمة إلى سؤال أكثر جوهرية يتعلق بما يتطلبه البقاء في المرحلة الراهنة: هل يكون ذلك عبر تقديم تنازلات واللجوء إلى التسوية، أم عبر مواصلة المواجهة؟
وبحسب شبكة "إيران إنترناشونال"، يأتي هذا الجدل بعد ستة أشهر من الحرب، تخللتها تحركات دبلوماسية متقطعة ومحاولات متكررة للوساطة، لكنها لم تتمكن حتى الآن من التوصل إلى تسوية مستدامة.
واستمرت الضربات الأمريكية والضغوط الاقتصادية على إيران، فيما ردت طهران بهجمات في أنحاء المنطقة، وأدى التصعيد الأخير مجددًا إلى استهداف مناطق في جنوب إيران، بالتزامن مع اقتراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز من التوقف شبه الكامل.
وفي الداخل، تجاوز سعر الريال الإيراني مستوى 2.2 مليون ريال مقابل الدولار، بينما أدت أزمة نقص الغاز وتزايد الضغوط الاقتصادية إلى تصعيد التساؤلات بشأن المدة التي تستطيع فيها إيران مواصلة تحمل كلفة المواجهة.
ونشرت صحيفة جوان المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني الأربعاء تقييمًا حادًا بشكل لافت، اعتبرت فيه أن إيران تعيش واحدة من أكثر اللحظات حساسية وحسما في تاريخ مواجهتها مع خصوم معروفين.
وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة بالنظر إلى قرب الصحيفة من المؤسسة الأمنية والعسكرية الإيرانية، إذ تعكس لهجة غير معتادة في تقييم الوضع الداخلي والخارجي للبلاد.
كما تبنت صحيفة خراسان، المحسوبة على رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، لهجة قاتمة مماثلة، ووصفت الأزمة بأنها لحظة لم تتجاوزها البلاد بعد، لكنها أصبحت بالفعل جديرة بأن توصف بأنها جزء من التاريخ.
وأضافت الصحيفة أن الإيرانيين عاشوا حربين خلال عام واحد، في إشارة إلى حجم الضغوط العسكرية والأمنية المتراكمة على البلاد خلال الفترة الأخيرة.
الاقتصاد في مواجهة الأيديولوجيا
بالنسبة إلى الداعين إلى الخروج من الأزمة عبر المسار الدبلوماسي، تتركز الحجة المتزايدة الإلحاح حول عدم قدرة الاقتصاد الإيراني على تحمل مواجهة مفتوحة إلى أجل غير مسمى.
ودافعت صحيفة شرق الإصلاحية عن دعوة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك، إلى العودة إلى الدبلوماسية المتبادلة في إطار مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو.
ورأى الكاتب أحمد زيد آبادي أن تجاوز سعر الريال مستوى مليوني ريال مقابل الدولار، إلى جانب مواجهة البلاد نقصا حادا في الغاز، يعني أن إيران لم تعد قادرة على تحمل مواجهة لا نهاية لها.
وكتب زيد آبادي أن رسالة بزشكيان في بيشكيك تعكس الاحتياجات الملحة للمجتمع الإيراني، مشيرًا إلى أن الاقتصاد الحقيقي للبلاد لا يستطيع الصمود أمام عزلة مستمرة.
وأضاف أن القوة الوطنية الحقيقية تكمن في حماية سبل عيش المواطنين من خلال دبلوماسية عملية، وليس في التمسك بشعارات عقائدية.
وتتطابق هذه الحجة مع مخاوف سبق أن أثارها بزشكيان نفسه، إذ حدد العقوبات والصراعات السياسية الداخلية ودور الشركات شبه الحكومية باعتبارها من بين الضغوط التي تثقل كاهل الاقتصاد الإيراني.
لكن بالنسبة إلى التيار المتشدد، فإن الدرس الذي أفرزته الأشهر الستة الماضية يكاد يكون النقيض تماما.
المتشددون يحذرون من التنازل
طالب رئيس تحرير صحيفة كيهان المتشددة حسين شريعتمداري بما وصفه بتطهير التيار الاستسلامي، وهاجم نائب الرئيس للشؤون التنفيذية جعفر قائم بناه ويوسف بزشكيان، نجل الرئيس الإيراني، على خلفية التشكيك في مدى أهمية تخصيب اليورانيوم لبقاء إيران.
واعتبر شريعتمداري أن التشكيك في برنامج التخصيب بينما تتعرض البلاد لنيران العدو لا يمثل براغماتية، وإنما استسلاما أيديولوجيا.
ويرى شريعتمداري أن التخلي عن تخصيب اليورانيوم لن يؤدي إلا إلى تشجيع واشنطن على المطالبة بتنازلات إضافية تتعلق ببرنامج الصواريخ الإيراني وأنظمة الدفاع الساحلي، في موقف يعكس حجة طالما تبناها المرشد الإيراني السابق علي خامنئي.
وصور شريعتمداري تصريحات المستشارين على أنها محاولة لتهيئة الرأي العام لقبول الاستسلام أمام حملة الضغط الأمريكية، معتبرًا أن الضغوط المتعلقة بتخصيب اليورانيوم والصواريخ والدعم الإقليمي ليست ملفات منفصلة، وإنما تمثل جزءًا من جهد غربي واحد يهدف إلى تجريد إيران من قدراتها الدفاعية.
واستشهد بالضربات الأمريكية الأخيرة على جزيرة لارك باعتبارها دليلًا، من وجهة نظره، على أن واشنطن لا تستجيب إلا للقوة والمواقف غير القابلة للتراجع.
تصعيد جديد يعيد كلفة الحرب إلى جنوب إيران
لكن تلك الضربات جاءت في خضم تصعيد آخر أعاد التكلفة الإنسانية للمواجهة إلى جنوب إيران.
وأفادت تقارير بوقوع هجمات على جزيرة لارك وعدد من المدن الجنوبية، من بينها الأهواز وبندر عباس وقشم وتشابهار.
وأعاد التصعيد العسكري الأخير إلى الواجهة التداعيات المباشرة للحرب على السكان والمناطق الجنوبية، بالتزامن مع استمرار الضغوط الاقتصادية وتعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
إيران أمام مفترق طرق
وبعد ستة أشهر من الحرب، يبدو أن هناك نقطة اتفاق غير معتادة بين أطراف الانقسام السياسي الحاد داخل إيران، وهي أن البلاد وصلت إلى لحظة بالغة الخطورة والاستثنائية.
لكن هذا الاتفاق لا يمتد إلى كيفية الخروج من الأزمة.
فبالنسبة إلى أنصار الدبلوماسية، جعل الاستنزاف الاقتصادي المتزايد من تقديم تنازلات والعودة إلى التفاوض خيارًا ضروريًا بصورة متزايدة، خصوصًا في ظل تراجع قيمة العملة ونقص الطاقة وتصاعد الضغوط على الاقتصاد.
أما المتشددون، فيرون أن الأشهر الستة الماضية أثبتت العكس تمامًا، ويعتقدون أن تقديم تنازلات تحت الضغط لن يؤدي إلى إنهاء الضغوط الأمريكية، بل سيشجع واشنطن على المطالبة بمزيد من التنازلات في ملفات أخرى.
وبذلك تجد طهران نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدا من مجرد الاختيار بين الحرب والدبلوماسية، إذ بات مستقبل المواجهة مرتبطًا بقدرة الاقتصاد الإيراني على تحمل كلفتها، وبمدى استعداد القيادة الإيرانية للتراجع في بعض الملفات، مقابل تمسك التيار المتشدد بمواصلة المواجهة باعتبارها السبيل الوحيد للحفاظ على القدرات الدفاعية والنفوذ الإقليمي للبلاد.

العرب مباشر
الكلمات