اقتصاد السودان ينزف.. الجنيه ينهار والفقر يتجاوز 70%

اقتصاد السودان ينزف.. الجنيه ينهار والفقر يتجاوز 70%

اقتصاد السودان ينزف.. الجنيه ينهار والفقر يتجاوز 70%
الحرب السودانية

تشهد الأسواق السودانية في الفترة الأخيرة قفزة حادة وغير مسبوقة في أسعار السلع والخدمات الأساسية، تزامنًا مع تطبيق زيادات جديدة في أسعار الوقود بعدد من الولايات، ما دفع بعض التجار إلى تعليق عمليات البيع ترقبًا لتقلبات السوق، بحسب ما نشرته مجلة "أتالاير" الإسبانية.

وفي مدينة بورتسودان، التي تتخذها القوات العسكرية مقرًا للحكم، عبّر مواطنون عن صدمتهم من الارتفاع الكبير في الأسعار، حيث وصل سعر أربعة أرغفة من الخبز إلى 1000 جنيه سوداني، بعدما كان المبلغ نفسه يكفي لشراء ستة أرغفة سابقًا، وفق ما أوردته صحيفة الركوبة السودانية، إلى جانب ارتفاع ملحوظ في أسعار الزيوت والسكر ومواد البناء.

معاناة يومية للمواطنين 

داخل أسواق المدينة، تحاول المواطنة السودانية رحاب عثمان تأمين احتياجات أسرتها اليومية، إلا أن الارتفاع الحاد في الأسعار حال دون ذلك، في مشهد يتكرر مع عدد كبير من المتسوقين.

وقالت لصحيفة "الركوبة": إن سعر عبوة زيت الطعام (7 لترات) ارتفع من 30 ألفًا إلى 35 ألف جنيه سوداني، مؤكدة أن هذه الزيادات المفاجئة تفرض تحديات يومية قاسية على المواطنين.

وبحسب تقارير محلية، ارتفع سعر لتر الديزل في بورتسودان إلى 6300 جنيه، أي ما يعادل 25,200 جنيه للجالون (4 لترات)، أو نحو 6.5 دولارات في السوق الموازي، بزيادة تقارب 54% عن السعر السابق.

كما بلغ سعر جوال السكر زنة 50 كيلوغرامًا نحو 175 ألف جنيه، ووصل سعر طن الأسمنت إلى 55 ألف جنيه، في ظل ارتفاع أسعار الوقود والغاز، ونقص في توليد الكهرباء يقدر بنحو 3300 ميغاواط/ساعة؛ ما أدى إلى ارتفاع سعر الخبز إلى 2000 جنيه مقابل 8 أرغفة.

رفع سعر الدولار الجمركي وتأثيره على الأسواق

في خضم هذه الأزمات، رفعت هيئة ميناء بورتسودان سعر الدولار الجمركي من 2827 إلى 3222 جنيهًا، بزيادة بلغت 14%، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية بما في ذلك المواد الغذائية والوقود والغاز وأجور النقل.

ويؤكد اقتصاديون، أن اتساع الفجوة بين الدخول والأسعار يفاقم الضغوط المعيشية على المواطنين، في ظل غياب إجراءات اقتصادية عاجلة لوقف تراجع الجنيه وكبح موجة التضخم.

كما أعلنت هيئة الجمارك السودانية في 21 يونيو 2026 رفع سعر الصرف المستخدم في حساب الرسوم الجمركية إلى 3517 جنيهًا للدولار، بزيادة 3.5% مقارنة بالسعر السابق البالغ 3395 جنيهًا.

ويعد هذا التعديل الثالث منذ مطلع عام 2026، بعد زيادتين سابقتين في أبريل ومايو، في ظل استمرار الضغط على الجنيه السوداني واتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي.

تحذيرات من تداعيات انهيار العملة على الداخل والخارج
يرى الباحث السوداني الأب أحمد أن انهيار الجنيه السوداني لا يقتصر تأثيره على الداخل فقط، بل يمتد إلى أوضاع اللاجئين السودانيين في الخارج، حيث يؤدي تراجع العملة وارتفاع تكاليف التحويلات المالية إلى تقليص قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية.

وأشار في منشور على منصة "إكس"، إلى أن هذا الوضع قد يدفع بعض السودانيين إلى العودة إلى البلاد رغم استمرار الأوضاع غير المستقرة، في حال تجاوزت تكاليف المعيشة في دول اللجوء قدرتهم المالية.

من جهته، أوضح الاقتصادي وليد النيل، أن استمرار الصراع منذ عام 2023 أدى إلى تراجع الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على الواردات، ما رفع الطلب على النقد الأجنبي في ظل محدودية الموارد، وهو ما ساهم في ارتفاع أسعار السلع المستوردة والخدمات.

انهيار اقتصادي واسع ومؤشرات على أزمة عميقة


تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن السودان كان قد حقق تقدمًا في مكافحة الفقر، حيث انخفضت نسبته من 38.1% عام 1990 إلى 15.6% عام 2011، قبل أن تعاود الارتفاع تدريجياً إلى 45% في عام 2023، ثم تقفز إلى 71% في نوفمبر 2025، لتصل حاليًا إلى نحو 73%، مع وجود حوالي 24 مليون شخص تحت خط الفقر المحدد بثلاثة دولارات يوميًا للفرد.

وتؤكد تقارير، أن الحرب أدت إلى انهيار غير مسبوق في الاقتصاد السوداني، مع تراجع الصادرات الزراعية والنفطية، وارتفاع معدلات التضخم، وانهيار العملة الوطنية، إلى جانب تفاقم الديون وتحديات إعادة الإعمار.

ويرى الكاتب السوداني محمد صالح محمد، أن انهيار العملة يعكس فقدان الثقة في المؤسسات، مشيرًا إلى أن غياب الرؤية السياسية لإدارة الموارد يحول الدولة إلى مجرد جهة جباية داخل اقتصاد مضطرب، ما يدفع المواطنين إلى مواجهة “معركة بقاء” يومية بدلاً من السعي نحو النمو الاقتصادي.

وأضاف: أن تدهور قيمة الجنيه يعكس حالة تفكك اقتصادي عميق، محذرًا من أن غياب الإرادة السياسية سيبقي المواطنين في دائرة انهيار معيشية متواصلة.

شلل اقتصادي وتداعيات على التعليم والخدمات

أدى التراجع الاقتصادي إلى تأثيرات واسعة على قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الموجهة للسلطات في بورتسودان ولإدارة الدولة، وسط اتهامات للجيش بالفشل في إدارة الموارد والأوضاع الاقتصادية.

 

وفي قطاع التعليم، دخل المعلمون في إضراب مفتوح منذ بداية الشهر الجاري، احتجاجًا على تدني الأجور التي لم تعد تكفي لتغطية الحد الأدنى من متطلبات المعيشة.

 

وتشير بيانات القطاع إلى أن راتب المعلم من الدرجات الدنيا لا يتجاوز 140 ألف جنيه سوداني شهريًا، أي ما يعادل نحو 30 دولارًا فقط، مع تأخر صرف المستحقات الإدارية لفترات تصل أحيانًا إلى 40 يومًا، بحسب صحيفة عين الحقيقة.

 

ويقول المعلمون: إن هذا الوضع جعل الدخل الفعلي يعادل نحو 15 قطعة من الخبز يوميًا فقط، في ظل مطالبات برفع الحد الأدنى للأجور إلى 600 ألف جنيه، وهو ما تعتبره النقابات مطلبًا غير قابل للتنازل.

 

وتحمّل النقابات التعليمية السلطات العليا المسؤولية عن استمرار الأزمة، مطالبة بإدارة أكثر عدالة وشفافية للموارد، باعتبارها الطريق الوحيد لتجاوز الانهيار الحالي واستعادة الاستقرار الاجتماعي.