الهدوء قبل العاصفة.. انقسام في طهران حول استغلال التوقف الأمريكي
الهدوء قبل العاصفة.. انقسام في طهران حول استغلال التوقف الأمريكي
أثار توقف الغارات الجوية الأمريكية على إيران جدلًا جديدًا داخل طهران بشأن كيفية التعامل مع فترة الهدوء الحالية، وسط انقسام بين تيار يرى ضرورة استغلال التوقف لإحياء المسار الدبلوماسي، وآخر يدعو إلى زيادة الضغط على واشنطن قبل اندلاع جولة جديدة من المواجهات العسكرية.
وبحسب شبكة "إيران إنترناشونال"، يرى المحافظون المتشددون في إيران أن الولايات المتحدة أوقفت حملتها العسكرية بسبب الضغوط التي تعرضت لها نتيجة العمليات العسكرية واضطراب إمدادات الطاقة في المنطقة، معتبرين أن واشنطن بدأت تدرك نقاط ضعفها.
في المقابل، تعتقد الأصوات المعتدلة والبراغماتية داخل إيران أن هناك نافذة محدودة للتحرك نحو دبلوماسية غير مباشرة قبل أن يؤدي استئناف القتال إلى مزيد من الإضرار بالاقتصاد الإيراني.
ويأتي هذا الجدل في وقت يبدو فيه أن الاتصالات الدبلوماسية غير المباشرة بين الطرفين بدأت تستعيد بعض الزخم، بعد مرور ثلاث ليالٍ دون تنفيذ هجمات مباشرة من الولايات المتحدة أو إيران.
مفاوضات ودية وطهران تقلل من أهمية التهدئة
قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال تجمع لأنصاره في ولاية ميشيغان، يوم الاثنين: إن مفاوضات ودية للغاية تجري مع طهران، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن الولايات المتحدة ستواصل الضغط العسكري إذا فشل المسار الدبلوماسي.
وأضاف ترامب، أن التعامل مع إيران لا يكون عبر تقديم تنازلات، مؤكدًا أن واشنطن ستواصل مواجهة طهران إذا لم تؤد المحادثات إلى نتائج.
لكن إيران واصلت التأكيد على أن الهدوء الحالي مؤقت وليس اتفاقًا دائمًا.
وقالت القيادة العسكرية الإيرانية المشتركة: إن الحصار البحري الأمريكي يمثل توسعًا في نطاق الصراع، متهمة واشنطن بتهديد السفن التجارية الإيرانية وناقلات النفط داخل المياه الإقليمية الإيرانية خلال الأيام الثلاثة الماضية.
مخاوف شعبية من عودة الحرب رغم توقف الغارات
خارج الأوساط السياسية، جاءت ردود الفعل الشعبية الإيرانية أكثر حذرًا من التفاؤل، إذ أفادت تقارير بأن العديد من الإيرانيين يرون أن التوقف المفاجئ للهجمات يمثل دليلاً على وجود مفاوضات خلف الكواليس، وليس اختراقًا حقيقيًا في الأزمة.
وقال بعض المواطنين: إنهم ما زالوا يجدون صعوبة في النوم رغم توقف الغارات الجوية، بسبب استمرار حالة القلق من عودة التصعيد في أي وقت.
كما تجنبت التصريحات الرسمية الإيرانية استخدام وصف وقف إطلاق النار، وفضلت الإشارة إلى الوضع الحالي باعتباره توقفًا مؤقتًا أو هدنة، وهو ما يعكس استمرار انعدام الثقة لدى طهران تجاه نوايا الولايات المتحدة.
المتشددون يحذرون من فخ التفاوض
يرى التيار المحافظ المتشدد في إيران أن استمرار التفاوض خلال هذه المرحلة يحمل مخاطر كبيرة.
ودعت صحيفة كيهان المحافظة وزارة الخارجية الإيرانية إلى الإعلان رسميًا عن إنهاء جميع الاتصالات الدبلوماسية غير المباشرة والمفاوضات السرية، معتبرة أن أسابيع القتال الماضية أثبتت أن واشنطن لا تخفف ضغطها العسكري إلا عندما تتعرض إمدادات الطاقة العالمية للخطر.
وقالت الصحيفة: إن التهدئة الحالية لا تعكس انفتاحًا دبلوماسيًا أمريكيًا، وإنما جاءت بسبب تراجع مخزون واشنطن من الذخائر الدقيقة.
وأضافت: أن التوقف القصير للغارات الليلية لا يمثل إشارة إلى حسن نية أمريكية أو مرونة دبلوماسية، بل هو فترة تكتيكية لالتقاط الأنفاس تهدف إلى السماح للولايات المتحدة بإعادة بناء مخزوناتها من الذخائر الدقيقة وإبعاد طهران عن استغلال نقاط القوة الاستراتيجية التي تمتلكها.
وسارت صحيفة جوان المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني في الاتجاه نفسه، إذ قالت: إن القدرات الهجومية الأمريكية تظهر علامات على ما وصفته بالإرهاق الهيكلي.
وحذرت الصحيفة من أن أي تردد إيراني قد يمنح واشنطن فرصة لإعادة بناء شبكات الدفاع الجوي وخطوط الإمداد في المنطقة.
كما دعت إلى رد قوي على ما وصفته بمحاولات توسيع نطاق الضغط الأمريكي ليشمل بحر قزوين، في أعقاب تقارير عن هجمات استهدفت سفنا إيرانية هناك.
المعتدلون يرون فرصة لإنقاذ الاقتصاد الإيراني
على الجانب الآخر، خلصت وسائل إعلام إيرانية محسوبة على التيار المعتدل إلى استنتاج مختلف تمامًا.
وقالت صحيفة اعتماد المقربة من الحكومة: إن كل ليلة تمر دون غارات جوية تمثل فرصة مهمة لمنع مزيد من التدهور في الخدمات العامة والتضخم وأسواق العملات.
ودعت الصحيفة المسؤولين الإيرانيين إلى الاستفادة بشكل كامل من جهود الوساطة الإقليمية، خصوصًا المبادرات التي تقودها سلطنة عمان.
كما وصفت صحيفة دنياي اقتصاد المتخصصة في الشأن الاقتصادي التهدئة الحالية بأنها فرصة لخفض التصعيد بشكل غير مباشر، بما قد يساعد على استقرار أسواق العملات الأجنبية والذهب.
أما صحيفة شرق المعتدلة، فقد حذرت من فتح جبهة بحرية جديدة بعد التقارير المتعلقة بالهجوم على سفن إيرانية في بحر قزوين.
وقالت الصحيفة: إن توسيع المواجهة نحو الشمال سيؤدي فقط إلى تعميق عزلة إيران الاقتصادية وتهديد ممرات التجارة الحيوية.
الدبلوماسية في دائرة انعدام الثقة
اختزلت صحيفة اعتماد طبيعة المرحلة الحالية التي تواجه القيادة الإيرانية، حيث حمل عنوانها الرئيسي على صفحتها الأولى دلالة على الفرصة والمخاطر في آن واحد، وهو: الدبلوماسية داخل دائرة انعدام الثقة.
ويعكس هذا العنوان حالة الانقسام داخل إيران بين من يرى في التهدئة فرصة نادرة لتجنب حرب جديدة وإنقاذ الاقتصاد، ومن يعتبرها مجرد مناورة أمريكية مؤقتة قبل استئناف الضغوط العسكرية.

العرب مباشر
الكلمات