تحذيرات من داخل إيران: الغضب الشعبي يُهدد استقرار البلاد مع تعثر مفاوضات واشنطن

تحذيرات من داخل إيران: الغضب الشعبي يُهدد استقرار البلاد مع تعثر مفاوضات واشنطن

تحذيرات من داخل إيران: الغضب الشعبي يُهدد استقرار البلاد مع تعثر مفاوضات واشنطن
إيران

في وقت تتواصل فيه الاتصالات غير المباشرة بين طهران وواشنطن وسط جهود إقليمية للحفاظ على مسار التفاوض، تتزايد المؤشرات المتضاربة الصادرة عن أوساط صنع القرار في إيران بشأن مستقبل الأزمة الراهنة، بحسب ما نشرته شبكة "إيران إنترناشونال".


فقد أعلن الحرس الثوري الإيراني أن المنطقة لن تشهد هدوءاً دائماً ما لم تنسحب إسرائيل من الأراضي اللبنانية وتتوقف عن تنفيذ هجماتها، فيما شدد المستشار البارز محسن رضائي على أن إيران لن تمنح الضوء الأخضر للمفاوضات قبل تلبية جميع مطالبها.


وفي ظل هذه الأجواء، أطلق سياسيان إيرانيان من تيارين مختلفين تحذيرات لافتة بشأن هشاشة الوضع الداخلي، مؤكدين أن الضغوط الاقتصادية واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع قد يؤديان إلى اندلاع موجات جديدة من الاحتجاجات والاضطرابات.

الفجوة بين الدولة والمجتمع تتعمق


وفي مقابلة أجرتها صحيفة اعتماد الإصلاحية المعتدلة مع السياسي الوسطي البارز حسين مرعشي في الأول من يونيو، تحدث الأخير عن وجود انفصال هيكلي وثقافي عميق بين الدولة والمجتمع الإيراني.


وأشار مرعشي إلى أن الاضطرابات ستتكرر ما لم يتمكن النظام السياسي من التكيف مع المتغيرات عبر معالجة الاختلالات الاقتصادية، والاعتراف بالتنوع الثقافي داخل المجتمع، وفتح قنوات تسمح بالتعبير عن المعارضة والاعتراض.


وأضاف أن القيادة الإيرانية لا تزال على خلاف مع شريحة واسعة من المواطنين بشأن العديد من القضايا السياسية والثقافية، معتبرًا أن سياسات الحكم ينبغي أن تنسجم مع تطلعات ما لا يقل عن 70% من المجتمع.


وأكد أن الانقسام بين الدولة والمجتمع بلغ مستوى جعل كثيرًا من الإيرانيين يميزون بين انتمائهم للوطن ونظرتهم إلى الحكومة، في مؤشر على تراجع الثقة بين الطرفين.


كما اعتبر مرعشي أن أحد أبرز إخفاقات الجمهورية الإسلامية يتمثل في عجزها عن بناء اقتصاد قوي وقضاء يحظى بثقة المواطنين، مشيرًا إلى أن الاحتجاجات لا ينبغي النظر إليها كحوادث منفصلة، بل باعتبارها تعبيرًا متكررًا عن تراكم الإحباط الشعبي.

إصلاحيون يدعون إلى مراجعة السياسات


الرسالة نفسها تكررت في مقال نشره الكاتب الإصلاحي ناصر زاكري في صحيفة شرق الإيرانية.


فقد تناول زاكري التحديات العسكرية والجيوسياسية التي واجهتها إيران خلال الفترة الأخيرة، مشيدًا بما وصفه بقدرة القطاع الدفاعي الإيراني على الصمود، لكنه في المقابل أشار إلى عقود من الأداء الاقتصادي الضعيف الذي اتسم بارتفاع معدلات البطالة والتضخم المزمن وتراجع الإنتاجية.


ودعا إلى الاستفادة من تجارب العام الماضي لتقييم المؤسسات التي أثبتت قدرتها على الصمود تحت الضغط وتلك التي فشلت في أداء مهامها.


كما انتقد الأصوات التي تعتبر مراجعة السياسات نوعًا من التخلي عن مبادئ الجمهورية الإسلامية، مؤكدًا أن السياسات التي حققت نجاحًا في مرحلة معينة يجب أن تخضع لإعادة تقييم عندما تتغير الظروف والمعطيات.


وتظل مثل هذه الطروحات حساسة سياسيًا داخل إيران، حيث ينظر التيار المتشدد عادة إلى دعوات الإصلاح والمراجعة باعتبارها محاولات لإضعاف الأسس الأيديولوجية للنظام.

الاستقرار لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها


ورغم اختلاف زاوية تناول مرعشي وزاكري للقضية، فإن كليهما توصلا إلى نتيجة واحدة مفادها أن القوة العسكرية وإدارة الأزمات الأمنية لا تكفيان وحدهما لضمان الاستقرار على المدى الطويل.


ويرى الاثنان أن تحقيق الاستقرار المستدام يتطلب معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العميقة التي تشكل مصدر التوتر الأساسي داخل البلاد.

جهود باكستانية لإنقاذ مسار التفاوض


وفي وقت متأخر من مساء أمس الخميس، أفادت تقارير بأن وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي سيعود إلى طهران ضمن مساعٍ تهدف إلى إبقاء قنوات التفاوض بين إيران والولايات المتحدة مفتوحة ومنع انهيار المسار الدبلوماسي.


ورغم استمرار حالة الغموض التي تحيط بالمفاوضات، فإن التحذيرات الصادرة عن شخصيات من داخل المؤسسة السياسية الإيرانية تعكس قلقاً متزايداً من أن التحديات الداخلية قد تصبح أكثر إلحاحاً من ملف التفاوض نفسه، بغض النظر عن نجاح المحادثات أو فشلها.

تصعيد المتشددين


بالتزامن مع هذه التحذيرات، تتصاعد الضغوط من جانب التيار المتشدد في طهران، الذي يدعو إلى تشديد المواجهة مع الولايات المتحدة رغم تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن المفاوضات لا تزال تحقق تقدماً وأن التوصل إلى اتفاق مع إيران يبقى ممكناً.


وكانت الأزمة قد تصاعدت فجر الأربعاء عندما استهدفت الولايات المتحدة برج اتصالات إيرانياً في جزيرة قشم، لترد طهران بالإعلان عن تنفيذ هجمات ضد منشآت عسكرية أميركية في الكويت والبحرين.

وذكرت السلطات الكويتية أن طائرة مسيرة إيرانية أصابت مطار الكويت الدولي ما أدى إلى مقتل شخص وإصابة عشرات آخرين، بينما نفى الحرس الثوري استهداف المطار بشكل مباشر.

ويضع هذا التصعيد ضغوطًا إضافية على اتفاق وقف إطلاق النار القائم منذ 56 يومًا بين واشنطن وطهران، في وقت يسعى فيه ترامب للحفاظ على الهدنة، بينما يرى المتشددون الإيرانيون أن العمليات العسكرية الأخيرة عززت موقع إيران التفاوضي.

 

ترامب يتمسك بخيار الدبلوماسية

ورغم التصعيد الأخير، واصل ترامب إظهار تفاؤله بإمكانية التوصل إلى اتفاق، مؤكداً أن المحادثات تتقدم بصورة جيدة، ومشيرًا إلى إمكانية التوصل لتفاهم خلال أيام.

كما نقلت تقارير إعلامية أمريكية عن مصادر مطلعة أن ترامب أبلغ مستشاريه بأنه يرغب في الحفاظ على وقف إطلاق النار الحالي، وأنه لن يفكر في استئناف عمليات عسكرية واسعة النطاق ما لم يُقتل جنود أمريكيون.

ويعكس هذا الموقف رغبة واشنطن في ردع الهجمات الإيرانية دون اتخاذ خطوات قد تؤدي إلى انهيار الهدنة وإفشال المفاوضات بشكل كامل.

 

مخاوف من انهيار المسار الدبلوماسي

ويرى مراقبون أن استمرار المفاوضات في حالة جمود يزيد من احتمال أن تتفوق الحسابات العسكرية وضغوط التيار المتشدد على جهود الوساطة والدبلوماسية.

ومع أن الجانبين الأمريكي والإيراني لا يزالان يتركان الباب مفتوحًا أمام الحلول السياسية، فإن التطورات الأخيرة قلصت مساحة المناورة المتاحة، ومنحت المتشددين في طهران فرصة أكبر للدفاع عن خيار الضغط العسكري باعتباره الوسيلة الأكثر فاعلية لتغيير موازين القوى، بدلًا من الرهان على المفاوضات وحدها.