أوكرانيا تضرب عملاق التجارة الإلكترونية الروسي.. تدمير مستودعات وايلدبيريز وخسائر بمئات الملايين
أوكرانيا تضرب عملاق التجارة الإلكترونية الروسي.. تدمير مستودعات وايلدبيريز وخسائر بمئات الملايين
دخلت الحرب بين روسيا وأوكرانيا مرحلة جديدة من التصعيد، مع انتقال الهجمات بشكل متزايد إلى استهداف البنية الاقتصادية واللوجستية للطرفين، بعدما شنت القوات الأوكرانية سلسلة ضربات جوية عميقة داخل الأراضي الروسية استهدفت مستودعات تابعة لشركة وايلدبيريز، أكبر منصة للتجارة الإلكترونية في روسيا، ما أدى إلى اندلاع حرائق استمرت يومين وظهرت آثارها بوضوح في صور الأقمار الصناعية، بحسب ما نقلته صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية.
وأظهرت الهجمات تحولًا لافتًا في طبيعة الحرب التي تدخل عامها الخامس، حيث باتت المنشآت التجارية والاقتصادية الكبرى والبنية التحتية الحيوية أهدافًا مباشرة للعمليات العسكرية، في ظل تباطؤ التقدم على خطوط القتال البرية وتصاعد الحرب الجوية بين الجانبين.
مستودعات وايلدبيريز تتحول إلى هدف مباشر
استهدفت الضربات، مساء السبت، مستودعين رئيسيين تابعين لشركة وايلدبيريز، أحدهما في مدينة إلكتروستال قرب موسكو، والآخر في مدينة كوتوفسك التابعة لمقاطعة تامبوف وسط روسيا.
وأسفرت الهجمات عن مقتل ما لا يقل عن ثمانية أشخاص وإصابة أكثر من 80 آخرين، فيما أظهرت مقاطع فيديو متداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي دمارًا شبه كامل للمستودعين.
وتواصلت الهجمات حتى فجر الاثنين، إذ أعلنت السلطات الروسية أن أكثر من 400 طائرة مسيرة أوكرانية استهدفت موسكو والمناطق المحيطة بها، ما تسبب في اندلاع حرائق داخل مركز لوجستي كبير قرب مطار دوموديدوفو، إضافة إلى مستودع للنفط ومبنى سكني.
كما أشارت تقارير إلى احتمال تعرض منشأة أخرى تابعة لوايلدبيريز قرب مدينة بودولسك في ضواحي موسكو لهجوم، إلا أنه لم يصدر تأكيد رسمي بشأن حجم الأضرار.
تحول في طبيعة الحرب
تعكس هذه الضربات تحولًا واضحًا في مسار الحرب الروسية الأوكرانية، إذ لم تعد المواجهات تقتصر على الجبهات العسكرية، بل امتدت إلى استهداف مراكز الخدمات اللوجستية والمنشآت الاقتصادية التي يعتبرها كل طرف جزءًا من البنية الداعمة للقدرات العسكرية للطرف الآخر.
وخلال الأشهر الأخيرة كثفت كييف هجماتها بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية، مستهدفة مصافي النفط التي أدت إلى اضطرابات في إمدادات الوقود، إضافة إلى مراكز لوجستية تقول إنها تستخدم أيضًا ضمن سلاسل الإمداد العسكرية الروسية.
ويرى مراقبون، أن هذه العمليات أضعفت جهود الكرملين لإبعاد آثار الحرب عن الحياة اليومية للمواطنين الروس، كما منحت الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إشادة نادرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
كما ساهمت الضربات بعيدة المدى في تغيير نظرة العديد من الدول الغربية إلى فرص أوكرانيا في مواصلة الحرب على المدى الطويل، في حين ردت موسكو بتكثيف استخدام الصواريخ الباليستية في استهداف المدن الأوكرانية وشبكات النقل، مستفيدة من تفوقها في هذا المجال.
كييف: المستودعات استخدمت لأغراض عسكرية
وأكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أن الهجمات جاءت ردًا على الضربات الروسية التي استهدفت البنية التحتية المدنية في أوكرانيا.
وأوضح، أن مستودعات وايلدبيريز كانت تستخدم لتخزين مكونات خاضعة للعقوبات الدولية تدخل في تصنيع الطائرات المسيرة وأنظمة الملاحة، وهو ما جعلها هدفًا مشروعًا من وجهة نظر كييف.
وفي المقابل، سبق أن وجهت موسكو اتهامات مماثلة إلى شركة نوفا بوشتا الأوكرانية، التي تعمل في خدمات البريد والشحن، مؤكدة أن منشآتها تستخدم لدعم العمليات العسكرية، وهو ما دفع القوات الروسية إلى استهدافها مرارًا.
معدات عسكرية تباع عبر المنصة
ويشير محللون إلى أن منصة وايلدبيريز لا تقتصر على بيع المنتجات الاستهلاكية، بل تعرض أيضًا مجموعة واسعة من المعدات ذات الاستخدام العسكري، مثل الدروع الواقية، وكابلات الألياف الضوئية المستخدمة في توجيه الطائرات المسيرة، وأجهزة الاتصال، وأجهزة التشويش على إشارات نظام تحديد المواقع، إضافة إلى إلكترونيات أخرى يمكن استخدامها للأغراض المدنية والعسكرية.
وتعد هذه المنتجات جزءًا من جهود تطوعية داخل روسيا لتزويد القوات المنتشرة على خطوط المواجهة بالمعدات اللازمة.
موسكو تصف الهجوم بالإرهابي
وأثارت الضربات ردود فعل غاضبة داخل روسيا، حيث وصفها مسؤولون وإعلاميون بأنها هجوم إرهابي، وهو الوصف الذي تستخدمه موسكو باستمرار للهجمات الأوكرانية داخل الأراضي الروسية.
وقالت السلطات الروسية: إن استهداف منشآت تجارية مدنية يهدف إلى ممارسة ضغوط نفسية على المجتمع الروسي.
ووصف يفغيني بيرفوشوف، حاكم مقاطعة تامبوف، الهجوم بأنه أكبر وأقسى هجوم إرهابي تتعرض له المنطقة.
أما المعارض الروسي المقيم في الخارج أندريه بيفوفاروف، فرأى أن التأثير النفسي للهجمات يفوق تأثيرها العسكري، موضحًا أن مشاهدة أعمدة الدخان تتصاعد فوق مركز لوجستي معروف لدى ملايين الروس تترك أثرًا أكبر بكثير من التقارير الإخبارية التقليدية، خاصة عندما يدرك المواطنون أن مثل هذه الهجمات لم يعد بالإمكان منعها.
ضربة روسية عنيفة على كييف
وبعد ساعات من الهجوم على وايلدبيريز، شنت روسيا واحدة من أعنف الضربات الصاروخية على العاصمة الأوكرانية كييف منذ اندلاع الحرب.
واستخدمت موسكو نحو 40 صاروخًا من طراز إسكندر-إم وصواريخ زيركون فرط الصوتية، مستهدفة مركز توزيع تابع لشركة أمتيل ومركز فرز تابع لشركة نوفا بوشتا.
واستمر الهجوم نحو خمس ساعات، وأسفر عن مقتل ستة أشخاص على الأقل وإصابة العشرات، فضلًا عن اندلاع حرائق وأضرار واسعة في أنحاء العاصمة.
وقال وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها: إن روسيا أطلقت أكبر عدد من الصواريخ الباليستية منذ بداية الحرب، داعيًا المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط قوية على موسكو لوقف ما وصفه بالإرهاب.
خسائر اقتصادية ضخمة
وألحقت الضربات خسائر كبيرة بشركة وايلدبيريز، التي توصف بأنها النسخة الروسية من شركة أمازون، إذ قدرت صحيفة كوميرسانت الاقتصادية الروسية أن الهجمات عطلت نحو 7% من إجمالي الطاقة اللوجستية للشركة.
ويعد مستودع إلكتروستال أحد أكبر المراكز اللوجستية التابعة للشركة، إذ يمتد على مساحة تبلغ نحو 250 ألف متر مربع، ويخدم موسكو والمناطق المحيطة بها.
أما مستودع كوتوفسك، الذي تبلغ مساحته 108 آلاف متر مربع، فيعد مركزًا رئيسيًا لتوزيع البضائع في جنوب روسيا.
وقدرت الصحيفة حجم الأضرار الناجمة عن تدمير المستودعين بما يتراوح بين 270 و450 مليون دولار، اعتمادًا على تكلفة إعادة بناء المنشآت فقط، دون احتساب قيمة البضائع المخزنة التي يطالب أصحابها بالحصول على تعويضات عنها.
ويبلغ صافي أرباح وايلدبيريز خلال عام 2025 نحو 2.2 مليار دولار.
غضب بين أصحاب الأعمال
وأدت الهجمات إلى تدمير مخزون مئات، وربما آلاف، من الشركات الصغيرة ورواد الأعمال الروس الذين يعتمدون على مستودع إلكتروستال لتوزيع منتجاتهم داخل موسكو والمناطق المجاورة.
وأعرب العديد منهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن غضبهم من الخسائر التي تعرضوا لها، مؤكدين أن الحرب باتت تهدد بقاء أعمالهم، خاصة في ظل ارتفاع الضرائب والضغوط الاقتصادية.
وقالت خبيرة العناية بالشعر ماريا نيفسكايا: إن معظم منتجات علامتها التجارية كانت مخزنة في مستودعي كوتوفسك وإلكتروستال.
وأضافت: أن الشركة فقدت خلال دقائق معظم أصولها، بما في ذلك المنتجات والمواد الخام ومواد التغليف والاستثمارات التي استغرقت أشهرًا من العمل، مؤكدة أن الأزمة أظهرت هشاشة حماية الشركات الصغيرة في أوقات النزاعات.
تغيير في سياسة الشركة
وزادت الأزمة تعقيدًا بعد أن عدلت وايلدبيريز، قبل أقل من أسبوعين، سياسة التعامل مع البائعين، بحيث أصبحت غير ملزمة بتعويض الأضرار الناجمة عن ظروف القوة القاهرة، وهي الفئة التي تشمل الآن صراحة هجمات الطائرات المسيرة والأضرار الناتجة عن الأسلحة أو المعدات العسكرية.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن اقتراب الانتخابات البرلمانية الروسية المقررة في الخريف، في ظل تزايد الاستياء الشعبي من تكرار الهجمات على البنية التحتية والأوضاع الاقتصادية، قد يدفع الشركة إلى تقديم تعويضات استثنائية لتجنب تداعيات سياسية أوسع.
وأعلنت الرئيسة التنفيذية لشركة وايلدبيريز، تاتيانا كيم، تخصيص مليوني روبل لأسرة كل موظف قضى في الهجمات الأوكرانية، فيما سيحصل ذوو المصابين بإصابات خطيرة على مليون روبل.
كما أكدت الشركة أنها ستنجز خلال الثلاثين يومًا المقبلة تقييمًا شاملًا لحجم التعويضات المستحقة للبائعين، إلى جانب تقديم تسهيلات مالية تشمل قروضًا وتأجيل سداد الديون وتسريع تحويل الإيرادات لمساعدتهم على تجاوز آثار الكارثة

العرب مباشر
الكلمات