مدير مركز دراسات فرنسي: محاولات الاختراق السياسي في أوروبا لم تعد عشوائية
مدير مركز دراسات فرنسي: محاولات الاختراق السياسي في أوروبا لم تعد عشوائية
تشهد الساحة السياسية الفرنسية جدلاً متصاعدًا حول ما تصفه تقارير وتحذيرات أمنية بـ"محاولات اختراق ناعم" تستهدف الانتخابات البلدية المقبلة، وسط اتهامات متزايدة بوجود شبكات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين تسعى للتأثير في المشهد السياسي المحلي عبر القوائم الانتخابية والأحزاب التقليدية.
وبحسب تقديرات متداولة داخل دوائر سياسية وأمنية فرنسية، فإن هذا النمط من التحرك لا يعتمد على الظهور العلني المباشر، بل على الدفع بمرشحين أو عناصر قريبة من خطاب الإسلام السياسي داخل القوائم الانتخابية، بما يتيح لهم الوصول إلى المجالس البلدية ومن ثم التأثير على الملفات المحلية الحساسة، خصوصًا ما يتعلق بالجاليات المسلمة وإدارة الشأن الاجتماعي والديني.
وتأتي هذه التطورات في وقت يتزايد فيه الجدل داخل فرنسا حول مدى خطورة النفوذ السياسي والتنظيمي المرتبط بالإخوان المسلمين، في ظل دعوات برلمانية وسياسية متكررة لإعادة تقييم وضع الجماعة، وفتح ملف إدراجها ضمن قوائم التهديدات الإرهابية على مستوى أوروبي، أو التعامل معها وفق تشريعات أمنية أكثر صرامة.
وفي السياق ذاته، تتجه الحكومة الفرنسية -خلال السنوات الأخيرة- إلى تشديد إجراءاتها ضد ما تصفه بـ"الإسلام السياسي المنظم"، عبر أدوات قانونية تشمل الرقابة على التمويل، وتجميد الأصول، وحل بعض الكيانات ذات الصلة، إلى جانب تعزيز المتابعة الأمنية للأنشطة الدعوية والاجتماعية التي يُشتبه في ارتباطها بشبكات عابرة للحدود.
وتربط أوساط سياسية فرنسية بين هذا التصعيد وبين اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المحلية، معتبرة أن الانتخابات البلدية تمثل مستوى حساسًا يمكن من خلاله التأثير على القرار المحلي وبناء قواعد نفوذ تدريجية داخل المدن والأحياء ذات الكثافة السكانية المسلمة.
في المقابل، يرى مراقبون، أن الجدل حول "الاختراق السياسي" ما يزال في إطار النقاش السياسي والأمني ولم يصل إلى مستوى قرار رسمي نهائي بشأن تصنيف الجماعة كتنظيم إرهابي داخل فرنسا، مؤكدين أن أي خطوة من هذا النوع ستخضع لحسابات قانونية ودبلوماسية معقدة، نظرًا لتأثيرها على الداخل الفرنسي وعلاقاته الأوروبية والدولية.
وبين تصاعد التحذيرات الأمنية من جهة، وحساسية الملف في سياق الحريات العامة في فرنسا من جهة أخرى، يبقى مستقبل التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين مرتبطًا بتطور المعطيات الميدانية والتقييمات الاستخباراتية خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع اقتراب الانتخابات البلدية التي تُعد اختبارًا جديدًا لمدى تأثير التيارات السياسية المختلفة داخل المشهد الفرنسي.
أكدت الدكتورة عقيلة دبيشي، مدير المركز الفرنسي للدراسات الاستراتيجية والدولية، أن النقاش الدائر داخل الأوساط السياسية والأمنية في فرنسا حول محاولات الاختراق السياسي خلال الانتخابات البلدية المقبلة يعكس تحولات أوسع في طبيعة التهديدات المرتبطة بالإسلام السياسي في أوروبا، مشيرة إلى أن هذه التحركات لم تعد تتم بشكل مباشر أو تقليدي، بل عبر أدوات ناعمة تتغلغل داخل البنى المحلية.
وأوضحت دبيشي للعرب مباشر، أن ما يُثار حول محاولات تأثير مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات المحلية الفرنسية يجب النظر إليه في إطار "استراتيجية النفوذ التدريجي"، التي تعتمد على العمل داخل المجالس المحلية والجمعيات المدنية والكيانات الاجتماعية، بما يسمح ببناء تأثير طويل المدى داخل المجتمعات الأوروبية.
وأضافت، أن السلطات الفرنسية باتت أكثر إدراكًا لخطورة هذا النمط من التحركات، خاصة مع تزايد التقارير التي تشير إلى محاولات توظيف الاستحقاقات الانتخابية المحلية كمدخل للتأثير على القرار السياسي والإداري في المدن ذات الكثافة السكانية المرتفعة من الجاليات المسلمة.
وشددت مدير المركز الفرنسي للدراسات الاستراتيجية والدولية على أن التعامل مع هذا الملف لا يجب أن يكون انفعاليًا، بل عبر أدوات قانونية وأمنية دقيقة توازن بين حماية الأمن القومي والحفاظ على الحريات العامة، لافتة إلى أن فرنسا تمتلك بالفعل منظومة تشريعية تتوسع تدريجيًا في هذا الاتجاه.
كما أشارت إلى أن الجدل حول احتمال تصنيف جماعات الإسلام السياسي كتنظيمات إرهابية داخل فرنسا أو على المستوى الأوروبي ما يزال في مرحلة النقاش السياسي والأمني، ولم يصل بعد إلى قرارات نهائية، إلا أن تصاعد التحذيرات يعكس تغيرًا واضحًا في تقييم المخاطر داخل مؤسسات صنع القرار.
واختتمت الدكتورة عقيلة دبيشي تصريحاتها بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدًا من التدقيق في مصادر التمويل والنشاطات الاجتماعية والسياسية المرتبطة ببعض الشبكات، في ظل سعي الدولة الفرنسية إلى إعادة ضبط المشهد السياسي بما يضمن استقرار العملية الديمقراطية ومنع أي محاولات للتأثير غير المباشر على إرادة الناخبين.

العرب مباشر
الكلمات