المستشفيات تحت النار.. مقتل 135 من العاملين في القطاع الطبي اللبناني منذ مارس

المستشفيات تحت النار.. مقتل 135 من العاملين في القطاع الطبي اللبناني منذ مارس

المستشفيات تحت النار.. مقتل 135 من العاملين في القطاع الطبي اللبناني منذ مارس
قصف لبنان

تحولت المستشفيات والعاملون في القطاع الصحي في لبنان إلى أهداف متكررة خلال الحرب بين إسرائيل وحزب الله، إذ تشير بيانات وزارة الصحة اللبنانية إلى مقتل ما لا يقل عن 135 من العاملين في المجال الطبي منذ 2 مارس الماضي، وسط اتهامات باستهداف مباشر للأطباء والمسعفين والمنشآت الصحية.


وبحسب صحيفة "الغارديان" البريطانية، فإن ذلك يأتي في وقت أصبحت فيه لبنان واحدة من أخطر مناطق العالم بالنسبة للعاملين في الرعاية الصحية، مع استمرار تعرض الطواقم الطبية والمنشآت العلاجية للقصف خلال المواجهات، رغم إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان.


طبيب لبناني يعيش داخل المستشفى منذ بداية الحرب


من شرفة المستشفى الذي يعمل فيه بمدينة النبطية جنوب لبنان، يستطيع الطبيب الجراح مصطفى حمزة رؤية منزله في قرية كفر رمان الجبلية، لكنه لا يستطيع العودة إليه.


وفي كل مرة يسمع فيها انفجارًا ثالثًا، يتوجه حمزة إلى الشرفة محاولًا التأكد مما إذا كان منزله هو الهدف هذه المرة.


ويقع منزله على بعد نحو خمس دقائق بالسيارة من مستشفى نبيه بري الحكومي في النبطية، حيث يعمل، إلا أن العودة إليه أصبحت أمرًا محفوفًا بالمخاطر رغم وقف إطلاق النار.


وخلال آخر محاولة له للعودة إلى منزله، واجه طائرة مسيرة إسرائيلية ألقت أولا قنبلة صوتية، ثم أسقطت قنبلة على بعد نحو عشرة أمتار منه، وتمكن بصعوبة من النجاة بحياته.


وقال حمزة، البالغ من العمر 66 عاما، إنه أصبح لديه غرفة في المستشفى، لكنه لم يعد يملك ملابس هناك، موضحًا أنه في آخر مرة ذهب فيها إلى المنزل أخذ ملابسه معه دون أن يدرك أنه قد لا يتمكن من العودة مجددًا.


ومنذ بداية مارس، اقتصرت حياة الطبيب اللبناني على غرفة عمليات صغيرة حولها إلى مكان للنوم، وقاعة الاستقبال التي يقطع فيها المسافات ذهابا وإيابا، وقسم الطوارئ في المستشفى الحكومي حيث يعالج المصابين.


وبعد إطلاق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل في الثاني من مارس، وما تبع ذلك من اجتياح إسرائيلي واندلاع الحرب، أغلق حمزة عيادته الخاصة وتطوع للعمل في المستشفى الحكومي.


وقضى الطبيب كل أيام الحرب التي استمرت قرابة خمسة أشهر داخل المستشفى، ومنذ إعلان وقف إطلاق النار في يونيو منح نفسه أربعة أيام فقط للراحة.


استهداف الطواقم الطبية يغير طبيعة الحرب


يعد حمزة واحدا من آلاف الأطباء والعاملين في القطاع الصحي اللبناني الذين وضعوا أنفسهم في دائرة الخطر لمواصلة إنقاذ الأرواح.


وقال: إن هذه الحرب كانت الأكثر قسوة التي عاشها، مقارنة بالمواجهة السابقة بين حزب الله وإسرائيل عام 2024، مؤكدًا أن القصف الإسرائيلي كان أكثر شدة، وأنه شاهد مستويات أكبر من الدمار والمعاناة الإنسانية.


وأضاف: أنه رأى جثثًا في أوضاع مروعة وغير طبيعية، مشيرًا إلى أن مشاهد احتراق أشخاص أحياء في النبطية كانت صادمة للغاية.
وأوضح أنه شاهد جثثًا فقدت الجزء العلوي من الرأس بالكامل، وهي مشاهد كان يعتقد سابقًا أنها لا تحدث إلا في الأفلام.


وللمرة الأولى، شعر حمزة بأنه وزملاءه أصبحوا هدفًا مباشرًا خلال الحرب.


وقال: إنه كان يرى المسعفين يغادرون بسيارات الإسعاف ثم يعودون قتلى، معتبرًا أن ذلك كان له تأثير نفسي بالغ وأدى إلى إرهاق ذهني كبير بين العاملين في المجال الطبي.


كما تحدث عن المسعف مهدي أبو زيد، الذي تعرف إليه خلال الحرب، قبل أن يقتل على يد القوات الإسرائيلية.


وقال حمزة: إن أكثر ما آلمه هو أنه اضطر إلى معرفة هذا الشاب، مضيفًا أنه كان أحيانا يتمنى لو لم يتعرف إليه حتى لا يكون فقدانه مؤلمًا بهذا الشكل.


اتهامات باستهداف ممنهج لسيارات الإسعاف


وبحسب وزارة الصحة اللبنانية، قتل ما لا يقل عن 135 من العاملين الصحيين في لبنان منذ بداية التصعيد في مارس، بينهم عدد كبير سقطوا في هجمات وصفت بأنها ضربات مزدوجة، حيث يتم استهداف الموقع مرة أخرى بعد وصول فرق الإنقاذ.


وتقول إسرائيل: إن بعض سيارات الإسعاف استخدمت لنقل أسلحة لصالح حزب الله، إلا أن منظمات حقوقية، بينها منظمة العفو الدولية، أكدت أن هذه الادعاءات لا تدعمها أدلة كافية.


ويقول العاملون في القطاع الطبي: إن طبيعة الهجمات جعلتهم يشعرون بأنهم أصبحوا جزءا من أهداف الحرب وليسوا مجرد جهات تقدم المساعدة للضحايا.


المسعفون في النبطية يدفعون ثمنًا باهظًا


خارج المستشفى، كان الوضع أكثر صعوبة، حيث واجهت فرق الإسعاف في النبطية خطرًا مستمرًا أثناء محاولة الوصول إلى المصابين.


وقال محمد سليمان، رئيس جهاز الإسعاف والطوارئ في النبطية، إنه عمل خلال ثلاث حروب، وإن الغارات الجوية كانت تصيب المسعفين بشكل غير مباشر في النزاعات السابقة، لكنها لم تكن تستهدفهم مباشرة. 

وأضاف:  أن العاملين كانوا دائما يفترضون إمكانية وقوعهم في نطاق الهجوم، لكنهم لم يتوقعوا أن يصبحوا هدفًا مباشرًا، مشيرًا إلى أن الأمر تغير خلال هذه الحرب.

وقتل ثلاثة مسعفين بشكل مباشر جراء غارات إسرائيلية، بينهم جود، نجل سليمان البالغ من العمر 16 عامًا، الذي قتل مع زميله الشاب علي في مارس أثناء قيامهما بنقل الطعام إلى أشخاص بقوا في النبطية.

وأوضح سليمان، أن طائرة مسيرة استهدفتهما رغم ارتدائهما الزي الخاص بالمسعفين.

وأضاف، أن مسؤولية إرسال فرق الإسعاف إلى مناطق الخطر أصبحت عبئًا نفسيًا ثقيلاً عليه، مشيرًا إلى أنه قبل الهجمات كان يرسل الفرق دون تردد، لكنه بعد سقوط زملائه أصبح يجري مئة حساب قبل إرسال أي سيارة إسعاف.

وقال: إنه كان يقاوم رغبته في الاتصال المستمر بالمسعفين عبر أجهزة اللاسلكي للاطمئنان عليهم، لأنه كان يعلم أن ذلك قد يشتت انتباههم أثناء تنفيذ مهامهم.

وأضاف: أن الشخص الموجود في مركز القيادة يكون أحيانًا أكثر توترًا من الأشخاص الموجودين في الميدان، لأنه لا يعرف ما إذا كانوا سيتعرضون للاستهداف، ولا يشعر بالارتياح إلا بعد عودتهم إلى المركز.

خوف دائم بين فرق الإنقاذ

ووصف مسعفون آخرون حالة القلق المستمر التي عاشوها بسبب ما اعتبروه طبيعة عشوائية في عمليات الاستهداف الإسرائيلية.

وقال حسن بوسي، وهو مسعف ونائب مدير جمعية الهيئة الصحية الإسلامية في صور: إن العاملين حاولوا لفترة طويلة فهم أسباب مقتل زملائهم، وتحديد المناطق التي أصبحت محظورة، ومعرفة ما إذا كان ترك فاصل زمني بين الضربات قد يساعدهم على النجاة.

لكنه أكد أنهم في النهاية توقفوا عن محاولة تفسير تلك الهجمات.

وأضاف، أن إسرائيل قدمت العديد من التبريرات، لكن الحقيقة من وجهة نظره هي أنها لم تكن تريد لفرق الإسعاف والإنقاذ مواصلة عملها.

استمرار القصف رغم وقف إطلاق النار

ورغم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في يونيو، استمرت الضربات الإسرائيلية داخل لبنان بوتيرة أقل من السابق.

ويتركز جزء كبير من هذه الهجمات في منطقة النبطية، حيث ما تزال الطواقم الطبية تواجه مخاطر مباشرة.

وكانت سيارة إسعاف قد تعرضت لهجوم بطائرة مسيرة إسرائيلية في بلدة النبطية الفوقا يوم الخميس الماضي، في أحدث حادثة تستهدف القطاع الطبي منذ بدء الحرب.