إيران تختنق بالوقود.. الحرب والعقوبات تدفع الاقتصاد نحو الانهيار
إيران تختنق بالوقود.. الحرب والعقوبات تدفع الاقتصاد نحو الانهيار
تُواجه إيران أزمة متصاعدة في قطاع الوقود، مع اتساع فجوة نقص البنزين وتحولها إلى اختبار حقيقي لقدرة طهران على الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي في ظل ظروف الحرب والعقوبات المستمرة، وفقًا لما نشرته شبكة "إيران إنترناشونال".
ولسنوات طويلة، سعت السلطات الإيرانية إلى تقديم الاكتفاء الذاتي في الوقود باعتباره دليلًا على فشل العقوبات الغربية في شل قطاع الطاقة الإيراني، غير أن تصريحات حديثة لمسؤولين وبرلمانيين كشفت عن واقع مختلف، إذ كانت البلاد تعاني بالفعل من عجز يومي يقدَّر بنحو 20 مليون لتر من البنزين حتى قبل اندلاع الحرب الأخيرة.
وقال النائب الإيراني رضا سباهوند إن إنتاج البنزين يبلغ حاليًا نحو 105 ملايين لتر يوميًا، بينما يصل الاستهلاك إلى قرابة 135 مليون لتر يوميًا، ما يعكس فجوة كبيرة بين العرض والطلب.
وتشير التقديرات إلى أن الأضرار الناجمة عن الحرب، وتعطل الواردات، والضغوط الواقعة على الوحدات البتروكيماوية، دفعت أزمة هيكلية مزمنة إلى الواجهة بشكل غير مسبوق.
لماذا تعاني إيران من نقص البنزين؟
ورغم امتلاك إيران احتياطيات ضخمة من النفط وتشغيلها عددًا كبيرًا من المصافي، فإن ذلك لا يضمن تلقائيًا تلبية الطلب المحلي على البنزين.
ويعتمد جزء كبير من نظام التكرير الإيراني على بنية تحتية قديمة، مع محدودية أعمال الصيانة والتحديث نتيجة سنوات طويلة من العقوبات، الأمر الذي جعل الإنتاج غير قادر على مواكبة الطلب المتزايد.
كما يشهد استهلاك الوقود ارتفاعًا مستمرًا بسبب التوسع العمراني، والاعتماد الكبير على السيارات الخاصة، إضافة إلى وجود ملايين المركبات القديمة ذات الكفاءة المنخفضة في استهلاك الوقود.
ويؤدي الدعم الحكومي الكبير لأسعار البنزين إلى تشجيع الاستهلاك المفرط، في وقت تسهم فيه الفجوة السعرية الكبيرة مع دول الجوار في تنشيط عمليات التهريب، ما يؤدي إلى خروج ملايين اللترات يوميًا من السوق الإيرانية.
ويرى مراقبون أن الأزمة لم تعد مرتبطة بقطاع الطاقة فقط، بل أصبحت قضية سياسية واقتصادية معقدة، إذ يساعد الدعم الحكومي في إبقاء الوقود بأسعار منخفضة وتهدئة الشارع، لكنه في المقابل يزيد من الهدر والتهريب ويضاعف الأعباء المالية على الدولة.
وتدرك القيادة الإيرانية ضرورة إجراء إصلاحات في منظومة الدعم، إلا أن تجارب رفع أسعار الوقود السابقة أدت إلى احتجاجات واسعة، ما جعل الحكومة عالقة بين مخاطر الغضب الشعبي وصعوبة استمرار النظام الحالي.
الحرب تزيد الأزمة تعقيدًا
وحولت الحرب الأخيرة الخلل المزمن في قطاع الوقود إلى أزمة أكثر حدة، بعد تعرض منشآت طاقة وبنية تحتية مرتبطة بالتكرير والتخزين والنقل لأضرار مباشرة، إلى جانب الاضطرابات في محيط مضيق هرمز.
وحتى في الحالات التي لم تتوقف فيها المصافي بالكامل، فإن تضرر المستودعات وشبكات النقل والوحدات الصناعية المساندة أدى إلى تقليص كميات البنزين القابلة للتوزيع على المستهلكين.
ومن القضايا التي برزت بقوة اعتماد إيران المتزايد على مكونات بتروكيماوية لخلط البنزين وتحسين جودته.
فعندما تعجز المصافي عن إنتاج كميات كافية من البنزين عالي الجودة، تلجأ الجهات المنتجة إلى خلط مواد رافعة للأوكتان مثل البنزين العطري والتولوين والزيلين، بالإضافة إلى إضافات مثل مادة MTBE.
وتُستخدم هذه المواد عالميًا لرفع مستوى الأوكتان، لكن الفارق يكمن في مستوى التنظيم والرقابة البيئية.
وتفرض دول كثيرة قيوداً صارمة على بعض هذه المواد بسبب مخاطرها الصحية والبيئية، بينما قد يؤدي اعتماد إيران المتزايد على الخلط البتروكيماوي إلى تفاقم مستويات التلوث، خصوصاً في المدن المزدحمة مثل طهران التي تعاني بالفعل من تدهور جودة الهواء.
كما ترتبط مادة MTBE بمخاطر بيئية تتعلق بتلوث المياه الجوفية.
ويرى محللون أن الأضرار التي لحقت بالمنشآت البتروكيماوية تمثل تهديدًا مزدوجًا، إذ قد تقلص إمدادات المكونات اللازمة لإنتاج البنزين، وفي الوقت نفسه تدفع السلطات إلى استخدام أنواع وقود أقل جودة للحفاظ على استمرار التوزيع، ما يعني إما تشديد النقص أو ارتفاع الكلفة الصحية والبيئية.
متى تبدأ آثار الأزمة بالظهور بشكل واسع؟
وقبل الحرب، تمكنت إيران من احتواء الأزمة جزئيًا عبر الاستيراد ونظام البطاقات التموينية وتقنين الاستهلاك وخلط الوقود وفرض قيود غير رسمية، لكن تلك الإجراءات لم تعالج جذور المشكلة.
ومع استمرار العجز اليومي الذي يتراوح بين 20 و30 مليون لتر، يتوقع أن تصبح الأزمة أكثر وضوحًا خلال أسابيع أو أشهر، خاصة مع ارتفاع الطلب خلال فصل الصيف.
ومن أبرز التداعيات المتوقعة: زيادة طوابير الوقود، تشديد الحصص التموينية، انقطاعات إقليمية، ارتفاع أسعار السوق السوداء، وتزايد الضغوط على قطاعي النقل والزراعة.
كما تعكس التصريحات العلنية الأخيرة لعدد من النواب الإيرانيين تراجع قدرة السلطات على تصوير الأزمة باعتبارها مشكلة مؤقتة.
وتشير التقديرات إلى أن تعافي جزء من قدرات التكرير والتوزيع قد يكون ممكنًا خلال شهر أو شهرين إذا بقيت الأضرار محدودة واستمرت خطوط الإمداد مفتوحة، لكن العودة الكاملة إلى الوضع الطبيعي ستحتاج وقتًا أطول بكثير بسبب الأسباب الهيكلية العميقة، مثل ارتفاع الطلب، وقدم أسطول السيارات، والعقوبات، والتهريب، وضعف الاستثمار، وتشوهات التسعير.
اقتصاد ينهار تحت ضغط التضخم والحرب
وفي سياق متصل، تتصاعد المؤشرات على تدهور الأوضاع المعيشية داخل إيران، مع ارتفاع أسعار الغذاء وإغلاق مزارع ومشروعات إنتاجية، ما دفع شخصيات بارزة داخل النظام إلى التساؤل عن كيفية قدرة البلاد على تصنيع صواريخ دقيقة بينما تعجز عن توفير الدجاج والسيارات بأسعار معقولة.
وقال وزير الصناعة الإيراني الأسبق مصطفى هاشمي طبا إن الأزمة تضرب كامل سلسلة الإنتاج، من الأسمدة إلى مزارع الدواجن.
وأوضح أن سعر كيس سماد ثلاثي الفوسفات زنة 50 كيلوغراماً ارتفع خلال أشهر قليلة من ثلاثة ملايين ريال إلى 70 مليون ريال، أي بزيادة تقارب 24 ضعفاً، بينما ارتفعت أسعار أنواع أخرى من الأسمدة بأكثر من 1100%.
وأضاف أن هذه الزيادات تسببت في إغلاق مزارع ومشروعات دواجن، ما انعكس مباشرة على أسعار الفواكه والخضروات واللحوم.
ونقلت تقارير صحفية إيرانية شهادات لمواطنين تحدثوا عن فقدان الوظائف وصعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية بعد الحرب، مع ارتفاع تكاليف المعيشة بصورة متسارعة.
وقال أحد المواطنين إنه فكر في العيش داخل صندوق كرتوني مع زوجته بعد فقدان عمله أثناء الحرب، مشيرًا إلى أن أكثر ما أخافه هو المستقبل غير الواضح.
ووصف آخر مشاهد القصف الصاروخي التي دمرت منازل حوله، قائلًا إنه شعر بالذنب بدلًا من الارتياح عندما اكتشف أن منزله لا يزال قائمًا.
كما تحدث سكان عن صدمة الأسعار الجديدة، حيث أصبحت سلع يومية أساسية خارج القدرة الشرائية للكثير من الأسر.
وذكرت صحف إيرانية أن سعر كيلوجرام الدجاج وصل إلى 1.5 مليون تومان، أي ما يعادل تقريبًا عُشر راتب عامل عادي شهريًا.
وتشير هذه التطورات إلى تصاعد الضغوط الاقتصادية حتى داخل أوساط النظام، حيث بدأ بعض المسؤولين والمحافظين في الإقرار بحجم الأزمة الاقتصادية وضرورة البحث عن مخرج عبر التفاوض مع الولايات المتحدة بعد أشهر من الحرب والاضطرابات المالية.
تهديدات ضد ترامب
وفي الوقت الذي تواصل فيه طهران اتصالاتها الدبلوماسية مع واشنطن، دفعت دوائر داخل البرلمان الإيراني بمقترح يمنح مكافأة قدرها 50 مليون يورو مقابل اغتيال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ويرى محللون أن المؤسسة الحاكمة في إيران تحاول إظهار القوة بعد أسابيع من الضغوط العسكرية والسياسية، مع استخدام مسار التفاوض باعتباره ساحة مواجهة إضافية وليس تنازلًا.
كما لوحت طهران بإمكانية تعطيل الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما تحدثت أصوات مقربة من الحكومة عن استهداف بنى تحتية فضائية مثل منظومة ستارلينك.
ويرى خبراء أن الجمع بين الخطاب التصعيدي والتهديدات العسكرية والانفتاح على التفاوض لا يمثل تناقضًا بالنسبة لطهران، بل يعكس استراتيجية تقوم على كسب الوقت وتعزيز رواية الصمود داخليًا.
بورصة طهران تعود تحت قيود صارمة
وفي مؤشر إضافي على هشاشة الوضع الاقتصادي، أعيد فتح بورصة طهران بعد إغلاق استمر 80 يومًا، لكن تحت رقابة حكومية مشددة وقيود واسعة على عمليات البيع.
وبقيت 42 شركة كبرى، معظمها شركات تصدير، خارج التداول، بينما لم تستأنف شركات الحديد والبتروكيماويات نشاطها بعد، وسط تقارير عن تعرضها لأضرار خلال الحرب.
ولم تكشف السلطات عن حجم الخسائر أو مدة توقف الإنتاج أو خطط إعادة الإعمار، ما أبقى المستثمرين في حالة ضبابية بشأن مستقبل السوق.
كما فرضت قيود على المستثمرين الكبار وصناديق الاستثمار للحد من عمليات البيع المكثف ومنع انهيار المؤشر العام، في خطوة تعكس محاولة السلطات إدارة صورة الاستقرار الاقتصادي أكثر من استعادة الثقة الفعلية في السوق.
ويرى محللون أن إعادة فتح البورصة بهذا الشكل تعكس سياسة احتواء للأزمة وليس تعافيًا حقيقيًا، خاصة في ظل استمرار التضخم المرتفع، وضعف النظام المصرفي، وتعطل سلاسل الإمداد، وتزايد حالة عدم اليقين بشأن الاقتصاد الإيراني في مرحلة ما بعد الحرب.

العرب مباشر
الكلمات