الاقتصاد الإيراني بين الحصار والانقطاع الرقمي.. هل تستطيع طهران الصمود أمام الضغوط المتصاعدة؟

الاقتصاد الإيراني بين الحصار والانقطاع الرقمي.. هل تستطيع طهران الصمود أمام الضغوط المتصاعدة؟

الاقتصاد الإيراني بين الحصار والانقطاع الرقمي.. هل تستطيع طهران الصمود أمام الضغوط المتصاعدة؟
الحرب علي إيران

تواجه إيران واحدة من أخطر الأزمات الاقتصادية في تاريخها الحديث، مع تزامن الحصار الأمريكي البحري المفروض على صادراتها النفطية مع انقطاع واسع للإنترنت شلّ قطاعات حيوية داخل البلاد، وسط تحذيرات من أن السلطات الإيرانية باتت تضاعف الضغوط الخارجية بإجراءات داخلية تضرب الاقتصاد الرقمي بشكل مباشر، بحسب ما نشرته شبكة "إيران إنترناشونال".

وأكد خبراء، أن الاقتصاد الإيراني يتعرض حاليًا لما وصفوه بـالضغط المزدوج، حيث تؤدي العقوبات والحصار الخارجي إلى استنزاف موارد الدولة، بينما يتسبب إغلاق الإنترنت في خنق الأعمال والوظائف والأنشطة الاقتصادية داخل البلاد.

انقطاع الإنترنت يعزل ملايين الإيرانيين

بعد أكثر من 75 يومًا على فرض قيود مشددة على الإنترنت، ما يزال عشرات الملايين من الإيرانيين معزولين عن العالم الخارجي، في وقت أدى فيه الانقطاع إلى تعطيل الاتصالات اليومية، وإرباك الشركات الإلكترونية، وتعميق حالة العزلة داخل بلد يعاني أصلاً من الحرب والعقوبات والتضخم ونقص العملات الأجنبية.

وقالت الباحثة في معهد واشنطن هولي داغرس: إن تقريرًا صدر عام 2022 أظهر وجود نحو 11 مليون إيراني يعتمدون على الإنترنت في أعمالهم، بينهم أعداد كبيرة من النساء اللواتي اتجهن للعمل الرقمي لتحقيق استقلال مالي عبر الحرف اليدوية والطهي وبيع المنتجات على إنستغرام والعمل كمؤثرات.

وأضافت: أن الإغلاق ألحق أضرارًا واسعة بالمواطنين، مشيرة إلى أن مسؤولين إيرانيين أنفسهم تحدثوا عن تأثر نحو 20% من القوة العاملة في البلاد، والتي تُقدّر بحوالي 30 مليون شخص.

وتضررت بشكل مباشر منصات التجارة الإلكترونية وخدمات النقل الذكي ومنصات البث والمتاجر الرقمية، ما تسبب في فقدان مئات الوظائف خلال فترة قصيرة.

وترى داغرس، أن دوافع الإغلاق تتجاوز الاعتبارات الأمنية المعلنة، معتبرة أن القضية ترتبط بالسيطرة على فضاء المعلومات ومن يملك حق التحكم بالإنترنت داخل البلاد.

جرح اقتصادي ذاتي

من جانبه، وصف أستاذ التمويل في جامعة تكساس سيا ماك جوادي قرار إغلاق الإنترنت بأنه صدمة اقتصادية تفرضها الدولة على اقتصاد هش بالفعل.

وأوضح أن الاقتصاد الإيراني كان يعاني قبل الأزمة من انهيار واسع، وأن السلطات زادت الأوضاع سوءًا عبر قطع الإنترنت، لافتًا إلى أن التقديرات الإيرانية تشير إلى أن كل دقيقة انقطاع تكلف الاقتصاد حوالي 1.5 مليون دولار من الخسائر المباشرة، أي ما يقارب 80 مليون دولار يوميًا.

وأشار إلى أن الخسائر غير المباشرة أكثر خطورة، لأنها تدمر الوظائف وفرص الاستثمار والتخطيط الاقتصادي، مؤكدًا أن أي مشاريع كانت قيد الدراسة توقفت عمليًا بسبب الأزمة.

وأضاف: أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تمثل العمود الفقري للاقتصاد الإيراني، وأن قطع الإنترنت خلال أزمة عملة وحرب اقتصادية يعادل قتلاً متعمدًا للاقتصاد، وفق تعبيره.

الحصار الأمريكي يضغط على طهران

وفي الوقت الذي يضرب فيه انقطاع الإنترنت الاقتصاد من الداخل، قال جوادي: إن الحصار الأمريكي البحري يفرض ضغطًا هائلاً على إيران من الخارج عبر تقليص عائدات النفط والعملات الأجنبية.

وأوضح، أن الاقتصاد الإيراني كان يعاني أساسًا من الفساد والعجز المالي وهروب رؤوس الأموال وطباعة النقود والتراجع المستمر لقيمة الريال، قبل أن تضيف الحرب صدمة جديدة قلصت قدرة الدولة على استخدام عائدات النفط لدعم العملة وتمويل الإنفاق الحكومي.

وأكد أن إيران فقدت بشكل شبه مفاجئ جزءًا كبيرًا من قدرتها على الوصول إلى إيرادات النفط خلال الحرب، مشيرًا إلى أن الحصار يكلف البلاد ما يقدر بـ450 مليون دولار يوميًا، أي ما بين 12 و15 مليار دولار شهريًا.

وأضاف: أن هذه الأرقام ضخمة بالنسبة لاقتصاد يتراوح حجمه بين 350 و400 مليار دولار.

وحذر من أن استمرار تراجع الصادرات النفطية وضعف الإيرادات الضريبية وتضرر الشركات الصغيرة قد يدفع الحكومة مستقبلاً إلى صعوبة تمويل حتى أجهزتها الأمنية.

ورغم ذلك، يرى جوادي أن النظام الإيراني قد يسمح بانهيار الاقتصاد التقليدي طالما بقي قادرًا على تمويل المؤسسات الأمنية الضرورية لبقائه في السلطة.

إيران تتجه نحو عزلة رقمية دائمة

وحذرت هولي داغرس من أن إيران قد تتجه نحو نموذج دائم من العزلة الرقمية يشبه ما يحدث في كوريا الشمالية.

وقالت: إن البنية التحتية المحلية للإنترنت بدأت بالفعل تحل محل الشبكة العالمية في بعض القطاعات مثل الخدمات المصرفية وتطبيقات النقل والمراسلة المحلية، لكنها تخضع لرقابة شديدة ولا يمكنها تعويض الاتصال بالعالم الخارجي.

وأضافت: أن الوضع الحالي قد يتحول إلى واقع دائم، حيث تتمتع نخبة محدودة فقط بإمكانية الوصول إلى الإنترنت العالمي، بينما يعيش بقية السكان خلف جدار رقمي مغلق.

إنترنت طبقي يثير الغضب

أثار ما يُعرف بـالإنترنت الطبقي موجة غضب واسعة داخل إيران، بعدما بدأت السلطات بمنح فئات محددة إمكانية الوصول إلى الإنترنت العالمي عبر خدمات خاصة وبطاقات اتصال مميزة، في حين يظل غالبية المواطنين تحت قيود مشددة.

 

وأعلن الرئيس الإيراني مسعود بيزشيكان تشكيل لجنة خاصة لإنهاء أزمة الإنترنت، إلا أن كثيرًا من الإيرانيين شككوا في قدرة الحكومة على تجاوز نفوذ المؤسسات الأمنية والحرس الثوري داخل مؤسسات إدارة الفضاء الإلكتروني.

 

وتحوّلت خدمات الإنترنت الخاصة إلى سوق سوداء مرتفعة الأسعار، حيث وصلت تكلفة بعض الاشتراكات المميزة إلى أرقام باهظة تفوق قدرة معظم المواطنين، في ظل تراجع الدخول وارتفاع معدلات التضخم.

 

أزمة المقاهي والقهوة تكشف عمق الانهيار

 

وامتدت الأزمة الاقتصادية إلى الحياة اليومية بشكل واضح، حيث بدأت ثقافة المقاهي في إيران تتعرض لانهيار متسارع مع ارتفاع التكاليف وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

 

وقال مسؤولون في قطاع المقاهي بطهران: إن تكاليف التشغيل تضاعفت، بينما انخفض عدد الزبائن بنسبة تصل إلى 50% خلال الأشهر الأخيرة؛ ما أدى إلى إغلاق نحو 40% من المقاهي.

 

وباتت حتى القهوة نفسها سلعة شبه فاخرة بعد الارتفاع الكبير في أسعارها نتيجة أزمة العملة واضطرابات الاستيراد.

 

وأشارت تقارير إلى أن أسعار بعض أكواب القهوة ارتفعت إلى أربعة أضعاف مقارنة بالفترات السابقة، في وقت اضطرت فيه شركات ومكاتب إلى التوقف عن توفير القهوة للموظفين بسبب ارتفاع التكاليف.

 

أزمة وقود وسوق سوداء للبنزين

 

وفي تطور آخر، دفعت أزمة الوقود وتشديد نظام الحصص إلى ازدهار السوق السوداء للبنزين داخل إيران.

 

واشتكى مواطنون من طوابير طويلة أمام محطات الوقود وارتفاع الأسعار بشكل كبير، بينما تحدث البعض عن بيع البنزين في السوق السوداء بأسعار تفوق الأسعار الرسمية بأضعاف.

 

وأكد مسؤولون إيرانيون، أن الحرب ألحقت أضرارًا بالبنية التحتية للطاقة والوقود، ما اضطر البلاد إلى ترشيد الاستهلاك لفترة قد تمتد حتى عامين.

 

شلل صادرات النفط الإيرانية

 

وكشفت بيانات تتبع السفن أن إيران لم تنجح في تصدير أي شحنة نفط خام بحرًا لمدة 28 يومًا متواصلة بسبب الحصار البحري الأمريكي المفروض منذ أبريل الماضي.

 

وأكدت شركة TankerTrackers، أن ناقلات النفط الإيرانية ظلت عالقة داخل نطاق الحصار، في حين تراجعت عمليات التحميل في جزيرة خرج، التي تمثل مركز نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية، بعد تسرب نفطي مشتبه به قرب الميناء.

 

وتشير صور أقمار صناعية إلى انتشار بقعة نفطية واسعة قرب الجزيرة خلال مايو الجاري، بينما نفت طهران وقوع أي تسرب.