على إيقاع السيادة والحدود.. دمشق تعود إلى مفاوضات باريس مع تل أبيب
على إيقاع السيادة والحدود.. دمشق تعود إلى مفاوضات باريس مع تل أبيب
بعد أسابيع من الصمت الثقيل والرسائل المتبادلة عبر الوسطاء، عادت سوريا إلى طاولة التفاوض مع إسرائيل، لكن هذه المرة بلهجة أكثر صلابة وسقف سياسي واضح السيادة أولًا، استئناف المحادثات غير المباشرة في باريس لا يبدو مجرد جولة تقنية لإدارة الاشتباك، بل محاولة لإعادة رسم قواعد اللعبة الأمنية على واحدة من أكثر الجبهات حساسية في الشرق الأوسط، دمشق، الخارجة لتوّها من مرحلة اضطراب سياسي وأمني داخلي، تدخل المفاوضات وهي تسعى لتثبيت خطوط حمراء، في مقدمتها رفض أي وجود عسكري إسرائيلي داخل أراضيها، أو فرض وقائع جديدة بالقوة، في المقابل، تنظر تل أبيب إلى الحوار من زاوية مختلفة، تعتبره أداة لخفض المخاطر لا أكثر، بعيدًا عن أي التزام سياسي طويل الأمد، وبين الموقفين، تقف واشنطن مجددًا في موقع الوسيط الضامن، في اختبار جديد لقدرتها على إدارة توازن دقيق بين حليف استراتيجي وملف إقليمي شديد التعقيد.
عودة مشروطة إلى طاولة التفاوض
بعد جمود دام قرابة شهرين، استؤنفت في العاصمة الفرنسية باريس مفاوضات أمنية غير مباشرة بين سوريا وإسرائيل، بوساطة أمريكية مباشرة.
ووفق مصادر رسمية سورية، يشارك في الجولة وفد رفيع المستوى يترأسه وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني، إلى جانب رئيس إدارة المخابرات العامة، في محاولة لوضع حد لمسار من التصعيد الميداني الذي تفاقم منذ ديسمبر 2024.
دمشق، بحسب هذه المصادر، لا ترى في العودة إلى التفاوض تراجعًا عن مواقفها، بل محاولة لاستعادة زمام المبادرة، والتأكيد على أن أي مسار تفاوضي يجب أن ينطلق من مبدأ استعادة الحقوق الوطنية غير القابلة للمساومة، وفي مقدمتها السيادة الكاملة على الأرض.
اتفاق 1974.. المرجعية الوحيدة
تضع سوريا اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 في قلب المباحثات الجارية، باعتبارها الإطار القانوني والأمني الوحيد القائم بين الطرفين منذ حرب أكتوبر 1973، وتطالب دمشق بإعادة تفعيل الاتفاق كما هو، دون إضافات أو اجتهادات جديدة، مع انسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط ما قبل الثامن من ديسمبر 2024..
وترى القيادة السورية، أن أي حديث عن مناطق أمنية عازلة جديدة أو ترتيبات تتجاوز الاتفاق الأصلي، يمثل مساسًا مباشرًا بالسيادة، ومحاولة لشرعنة أمر واقع فُرض بالقوة العسكرية.
مسؤولون سوريون شددوا، في تصريحات غير رسمية، على أن أي وجود عسكري إسرائيلي داخل الأراضي السورية يُعد خطًا أحمر لا يمكن القبول به، سواء في الجنوب الغربي أو في هضبة الجولان.
الرؤية الإسرائيلية.. أمن بلا سياسة
على الضفة الأخرى، تنقل وسائل إعلام إسرائيلية صورة مغايرة تمامًا. فالمفاوضات، وفق مصادر سياسية في تل أبيب، تقتصر على الجوانب الأمنية والترتيبات الميدانية الهادفة إلى منع الاحتكاك، ولا ترقى إلى مستوى مسار سياسي أو دبلوماسي شامل.
إسرائيل تعتبر هذه الجولة الخامسة من نوعها، والأولى منذ تعثر المحادثات أواخر العام الماضي، وتتعامل معها باعتبارها أداة لإدارة المخاطر على الجبهة الشمالية، لا أكثر، كما ترفض الانسحاب الكامل من جميع النقاط التي دخلتها قواتها مؤخرًا، معتبرة أن أي انسحاب واسع يجب أن يكون جزءًا من اتفاق سلام شامل، لا اتفاق أمني محدود.
تسريبات إعلامية أمريكية تحدثت عن مقترحات إسرائيلية تشمل إنشاء مناطق أمنية عازلة جنوب غربي دمشق، وفرض قيود جوية على الطيران السوري قرب الحدود، مقابل انسحاب جزئي من بعض المناطق، مع الإبقاء على وجود استراتيجي في مواقع مرتفعة وحساسة.
دمشق، من جانبها، ترفض هذه الطروحات بشكل قاطع، وتؤكد أن أي اتفاق يجب أن يستند حصريًا إلى اتفاق 1974، دون مناطق عازلة أو ترتيبات استثنائية. وزير الخارجية السوري شدد على أن بلاده لا تفاوض على تحسين شروط الاحتلال، بل على إنهائه.
واشنطن.. الوسيط بعد لقاء القمة
تأتي هذه الجولة بعد أيام من لقاء جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو ما تعوّل عليه دمشق كنافذة محتملة لإعادة ضبط الموقف الأمريكي. ورغم تصريحات إسرائيلية عن تغيير محتمل في العلاقات مع دمشق، إلا أن الواقع يشير إلى أن الطريق ما يزال طويلًا، ومليئًا بالعقد السياسية والأمنية.
وتبقى الغارات الجوية والتوغلات البرية الإسرائيلية العقدة الأبرز في مسار التفاوض، فبعد ديسمبر 2024، شهدت الساحة السورية تصعيدًا لافتًا، بررته إسرائيل بدواعٍ أمنية وحماية الأقليات، خاصة في الجنوب الغربي، لكن الرئيس السوري أحمد الشرع يرى في هذه التحركات تعبيرًا عن طموحات توسعية أكثر منها مخاوف أمنية، مؤكدًا أن أي تقدم حقيقي في المفاوضات يبقى مرهونًا بانسحاب إسرائيلي كامل إلى خطوط ما قبل الثامن من ديسمبر.

العرب مباشر
الكلمات