أكفان على منصات التواصل.. فصائل عراقية ترفع سقف التهديد وتلوّح بالانتحاريين في معركة الإسناد لإيران

أكفان على منصات التواصل.. فصائل عراقية ترفع سقف التهديد وتلوّح بالانتحاريين في معركة الإسناد لإيران

أكفان على منصات التواصل.. فصائل عراقية ترفع سقف التهديد وتلوّح بالانتحاريين في معركة الإسناد لإيران
العراق

في لحظة إقليمية مثقلة بالتصعيد والرسائل المتبادلة، خرج خطاب جديد من العراق يضيف طبقة أكثر خطورة إلى مشهد متوتر أصلًا، صور متداولة على منصات التواصل تُظهر شبانًا يرتدون أكفانًا بيضاء، مرفقة بتعهدات تطوع لما سُمّي «عمليات استشهادية»، أعادت فتح ملف الفصائل المسلحة وحدود أدوارها في الصراع الإقليمي.

 التطور جاء عقب بيان منسوب إلى الأمين العام لـ«كتائب حزب الله» في العراق، دعا فيه إلى الاستعداد لما وصفه بـ«حرب شاملة» دفاعًا عن إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وبينما لا تتجاوز هذه الإشارات حتى الآن إطار الخطاب والتعبئة الرمزية، فإن دلالاتها السياسية والأمنية تتجاوز حدود العراق، وتطرح أسئلة ملحّة حول احتمالات الانزلاق إلى مواجهات أوسع، وطبيعة الحسابات التي تحكم الفصائل المرتبطة بمحور طهران في توقيت بالغ الحساسية.

إعلان الجهاد

اللافت في التطور الأخير ليس فقط حدّة اللغة المستخدمة، بل التوقيت والسياق اللذان خرج فيهما الخطاب، فالعراق، الذي يحاول منذ سنوات ترميم توازنه الداخلي والحد من تحوّله إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية، يجد نفسه مجددًا أمام موجة تعبئة من فصائل مسلحة ترى في نفسها جزءًا عضويًا من صراع يتجاوز الحدود الوطنية.

بيان أبو حسين الحميداوي، الأمين العام لـ«كتائب حزب الله»، مثّل نقطة الانطلاق، إذ قدّم إيران بوصفها «حصن الأمة وعزتها»، وحذّر من أن أي مواجهة معها «لن تكون نزهة»، ملمّحًا إلى احتمالات «إعلان الجهاد» وما قد يستتبعه من «عمليات استشهادية».

هذا الخطاب، وإن لم يكن جديدًا بالكامل في قاموس الفصائل الموالية لطهران، يحمل تصعيدًا نوعيًا لأنه يضع خيار العمليات الانتحارية في الواجهة، ولو على مستوى التلويح، فالترويج لمشاهد الأكفان البيضاء وتوقيع استمارات التطوع يهدف، بحسب مراقبين، إلى إرسال رسائل متعددة الاتجاهات، رسالة تضامن قصوى مع إيران، ورسالة ردع موجهة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، ورسالة داخلية مفادها أن هذه الفصائل ما زالت قادرة على الحشد والتعبئة، رغم الضغوط السياسية والأمنية.

استراتيجية الضغط

إقليميًا، يأتي هذا التطور في ظل اشتداد التوتر حول الملف الإيراني، سواء على صعيد البرنامج النووي أو الصراع غير المباشر مع إسرائيل في ساحات متعددة، ومع تصاعد الضربات والتهديدات المتبادلة، تسعى أطراف «محور المقاومة» إلى رفع كلفة أي مواجهة محتملة، عبر توسيع مسرح الردع ليشمل ساحات جديدة أو إعادة تفعيل أوراق قديمة.

في هذا الإطار، يُقرأ خطاب «كتائب حزب الله» كجزء من استراتيجية الضغط، لا بالضرورة كإعلان فوري عن نية تنفيذ عمليات انتحارية، على المستوى العراقي، يثير هذا الخطاب قلقًا مزدوجًا، فمن جهة، تخشى الحكومة من انعكاساته على الأمن الداخلي، خصوصًا إذا ما تحوّل من مستوى التعبئة الإعلامية إلى تحركات ميدانية.

 ومن جهة أخرى، يضع العراق في موقف حرج أمام المجتمع الدولي، الذي يراقب بدقة أي مؤشرات على استخدام أراضيه منصة لتهديد مصالح أو دول أخرى. 

كما أن عودة الحديث عن «العمليات الاستشهادية» تعيد إلى الأذهان سنوات العنف الدموي التي حاول العراقيون طيّ صفحتها، وتناقض خطاب الدولة الساعي إلى حصر السلاح بيدها.

لغة التصعيد كأداة تفاوض

في المقابل، يرى محللون، أن سقف الخطاب المرتفع لا يعني بالضرورة قرارًا استراتيجيًا بالتنفيذ، فالفصائل المسلحة غالبًا ما تستخدم لغة التصعيد كأداة تفاوض غير مباشرة، أو كوسيلة لرفع منسوب الردع دون الانجرار إلى مواجهة شاملة قد تكون كلفتها باهظة، كما أن أي خطوة من هذا النوع ستخضع لحسابات دقيقة تتعلق بردود الفعل الأميركية والإسرائيلية، وكذلك بتوازنات الداخل العراقي، حيث لم يعد المزاج العام متسامحًا مع مغامرات عسكرية قد تعيد البلاد إلى دوامة العنف.

في المحصلة، يكشف التلويح بعمليات انتحارية دعمًا لإيران عن مرحلة جديدة من الحرب النفسية والإعلامية في المنطقة، حيث تتداخل الرسائل الرمزية مع التهديدات الصريحة. 

وبينما تبقى هذه الإشارات، حتى اللحظة، في إطار الخطاب، فإن خطورتها تكمن في قدرتها على توسيع هامش سوء التقدير، وفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب التحكم بمساراتها.