مأزق الحرب على إيران.. التفوق العسكري لا يكفي لإسقاط النظام

مأزق الحرب على إيران.. التفوق العسكري لا يكفي لإسقاط النظام

مأزق الحرب على إيران.. التفوق العسكري لا يكفي لإسقاط النظام
الحرب علي إيران

تُواجه الولايات المتحدة وإسرائيل حالة من الجمود في مواجهتهما مع إيران والأذرع التابعة لها، أشبه بمصارعة بين لاعبي سومو متشابكين، لا يستطيع أي منهما تحريك الآخر، بينما لا تلوح في الأفق مخرج واضح من هذا المأزق.

وبحسب صحيفة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية، تبدو هذه المواجهة حالة غير مألوفة، إذ تتمتع واشنطن وتل أبيب بحرية شبه كاملة في التحرك في أجواء الجمهورية الإسلامية، إلى جانب تفوق عسكري في مختلف المجالات الأخرى.

ومع ذلك، ورغم هذا الاختلال الكبير في موازين القوى والحصار البحري الخانق الذي تفرضه القيادة المركزية الأمريكية، المعروفة باسم سنتكوم، في الخليج، لم يتمكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من إجبار المرشدين الإيرانيين على رفع الراية البيضاء. كما لم يتمكن مفاوضوه حتى الآن من انتزاع موافقة طهران على الحد الأدنى من مطالبه، والمتمثل في وقف تطوير الأسلحة النووية واحترام حرية الملاحة عبر مضيق هرمز وباب المندب.

 

انتصار وهمي

والأسوأ من ذلك، أن القيادة الإيرانية تتصرف كما لو أنها الطرف المنتصر، وتفرض شروطًا مهينة على الولايات المتحدة، رغم الضربات القاسية التي تعرضت لها والاقتصاد الذي يقف على حافة الإفلاس.

ويرجع تفسير هذا السلوك، جزئيًا، إلى التعصب الديني لدى النظام الإيراني، إذ يرى أن بقاءه في السلطة ورفضه الخضوع لما يعتبرهم كفارًا أمريكيين ويهودًا يمثلان جوهر وجوده. ويرتبط الأمر أيضًا بغياب قوة منظمة داخل إيران تمتلك الدافع والقدرات التنظيمية والموارد اللازمة لمواجهة الحرس الثوري الإيراني وقوات الباسيج عسكريًا، وتقديم بديل للحكم في حال سقوط النظام.

وتستند هذه القراءة إلى قناعة ترسخت لدى ترامب والجناح المتشدد في إدارته، الذي يضم وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث، إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، مفادها أن القيادة في طهران تمثل عقدة يصعب حلها في الظروف الراهنة، وأن التوصل معها إلى تسوية معقولة ليس أمرًا واقعيًا أيضًا.

وتشير محادثات مع أشخاص مطلعين على التطورات داخل إيران إلى أن مجتبى خامنئي شخصية متشددة ومتعصبة، لا تزال تمسك بزمام السلطة رغم إصاباته الخطيرة، وتفرض نهجاً متشدداً على كبار المسؤولين في النظام.

ويشمل هؤلاء قادة الحرس الثوري والباسيج، الذين يؤيد معظمهم موقفه المتشدد المستند إلى اعتبارات دينية، والقائم على رفض تقديم أي تنازلات بشأن تخصيب اليورانيوم، أو فرض قيود على تطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وإنتاجها، أو التخلي عن السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، بما في ذلك حق تحصيل رسوم عبور السفن.

وبالنسبة إلى هذه المجموعة، فإن معاناة السكان جراء الحصار البحري والعقوبات وإخفاقات النظام، التي أدت إلى نقص حاد في المياه والكهرباء، تمثل تضحية مقبولة في سبيل تحقيق أهداف دينية ووطنية.

وفي مواجهة هذا التيار المحافظ المتشدد، يوجد معسكر أكثر اعتدالًا يقوده الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، إلى جانب رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي.

ويبدي هذا المعسكر اهتمامًا أكبر بالمعاناة الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الإيرانيون، لكن تأثيره في عملية صنع القرار يظل محدودًا.

 

تحركات إيرانية دبلوماسية

وبحسب خبراء، يستمع مجتبى خامنئي إلى ممثلي هذا التيار ويسمح لهم بالتفاوض مع الأمريكيين، في محاولة للعودة إلى مذكرة التفاهم التي جرى التوصل إليها في يونيو، بعد مفاوضات مع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس في إسلام آباد، بوساطة باكستانية.

وفي إسرائيل، وكذلك بين الجمهوريين في الولايات المتحدة، اعتُبر ذلك الاتفاق استرضاءً لإيران، بل خضوعاً لمطالبها. لكن الحرس الثوري انتهك الاتفاق بعد أيام قليلة من توقيعه، عندما أطلق صواريخ وطائرات مسيّرة استهدفت ثلاث سفن تجارية كانت تعبر مضيق هرمز.

ومنح ذلك ترامب فرصة كبيرة للتراجع عن اتفاق شبّهه منتقدون باتفاق ميونيخ عشية الحرب العالمية الثانية، وهو الاتفاق الذي أثار انتقادات حادة للرئيس الأمريكي ونائبه من الجمهوريين المحافظين وبعض المشرعين الديمقراطيين.

واستأنف ترامب العمليات العسكرية والحصار، فيما أرسل مجتبى خامنئي وزير الخارجية عباس عراقجي للحصول على الشروط نفسها، ولكن بصياغات مختلفة بعض الشيء.

غير أن موقف ترامب كان قد أصبح أكثر تشددًا بحلول ذلك الوقت. فعلى خلاف اتفاق يونيو، اشترط أن تبدأ المفاوضات بوقف البرنامج النووي العسكري الإيراني، على أن تُبحث بعد ذلك مطالب طهران المتعلقة برفع الحصار البحري والعقوبات والإفراج عن 12 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة.

ورفض الإيرانيون هذه الشروط، لتنهار المفاوضات التي جرت على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

وتُظهر صورة لوحة إعلانية في طهران عبارة تفيد بأن مضيق هرمز سيظل مغلقًا، في وقت يدفع فيه المدنيون ثمن المواجهة المتصاعدة.

وبحسب شخص مطلع على المداولات داخل الإدارة الأمريكية، فإن انتهاك إيران مذكرة التفاهم التي اتسمت بالمرونة، وفشل المفاوضات الأخيرة، رسّخا لدى ترامب قناعة مفادها أن التوصل إلى تسوية دبلوماسية مع النظام الحالي ليس مستحيلًا فحسب، بل إن صلاحيات الممثلين الإيرانيين وقدرتهم على الموافقة على أي اتفاق لا تزالان موضع شك.

وأضاف المصدر أن هذا الإدراك يدفع ترامب وروبيو إلى الاقتراب من الموقف الإسرائيلي، الذي يتبناه نتنياهو وجميع قادة الأجهزة الأمنية، والقائم على أن إسقاط النظام وحده هو الذي يضمن عدم إعادة بناء البرنامج النووي الإيراني، وعودة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى العمل وفقًا للقواعد الدولية.

 

التعذيب والإعدامات

وأكدت الصحيفة العبرية أن إسقاط نظام قمعي ودموي مثل النظام الإيراني ليس مهمة سهلة. ويُظهر التاريخ العسكري أن إسقاط دكتاتورية في دولة معادية أو استبدالها يتطلب، في العادة، وجود قوة منظمة جرى إعدادها مسبقًا للعمل على الأرض.

وقد أثبتت قوات الباسيج والحرس الثوري مجددًا، في وقت سابق من العام الجاري، قدرتها على سحق الاحتجاجات الجماهيرية التي تندلع بصورة عفوية في الشوارع.

ويتطلب إسقاط النظام الإيراني وجود أشخاص يتمتعون بدوافع قوية وقدرات عسكرية، فضلًا عن القدرة على إدارة شؤون الحكم، ويعملون داخل الأراضي الإيرانية.

وفي الظروف الراهنة، يمكن أن تأتي هذه القوة من مصدرين: قوات أمريكية أو قوات من الجيش الإسرائيلي أو كليهما، أو منظمات معارضة مدربة ومجهزة، لديها الاستعداد والقدرة على التحرك رغم الملاحقة المستمرة التي تتعرض لها من جانب السلطات.

وتواجه هذه المنظمات أجهزة أمنية تجمع المعلومات الاستخباراتية عنها، وتطارد أفرادها وتعذبهم وتعدمهم، فضلًا عن تعطيل اتصالاتها وقطع وصولها إلى الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

وتنشط عدة منظمات من هذا النوع داخل إيران، ولا سيما بين الأقليات العرقية، بما فيها الأكراد والبلوش والعرب والأذريون واللور.

وتتلقى هذه الجماعات دعمًا من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وجهاز الموساد الإسرائيلي، ولا سيما في حالة الأكراد، فضلًا عن أجهزة استخبارات في دول عربية، من بينها الإمارات العربية المتحدة.

لكن هذه التنظيمات تفتقر إلى الكتلة البشرية والقدرات اللازمة لمواجهة الحرس الثوري والباسيج. كما أن منظمات المعارضة السياسية الإيرانية غير قادرة على إشعال انتفاضة حقيقية تهدد بقاء النظام.

وتُعد منظمة مجاهدي خلق، المعروفة اختصاراً باسم إم إي كيه، التنظيم الوحيد الذي يمتلك، على الأقل نظريًا، إمكانية تحدي النظام على مستوى البلاد، بفضل أعضائها الذين يُقدر عددهم بالآلاف.

وتتبنى المنظمة أيديولوجية تجمع بين الإسلاموية والماركسية، وتقودها امرأة هي مريم رجوي، كما تمتلك فروعًا وعمليات لجمع التبرعات في الخارج.

ويتميز أعضاؤها بالحماسة والدافع القوي والتنظيم الجيد، كما أن بعضهم مسلحون، وقد يتمكنون من وضع أسس لإدارة محلية في المناطق التي ينشطون فيها.

 

إسقاط النظام الإيراني

كل هذه المعطيات تضع إدارة ترامب والقيادة الإسرائيلية أمام معضلة صعبة. فإذا كانت حملتان جويتان مشتركتان ومكثفتان شنتهما إسرائيل والجيش الأمريكي لم تنجحا في تغيير مواقف النظام أو زعزعة استقراره، فما الذي يمكن أن تحققه حملة ثالثة، حتى لو تضمنت تدمير منشآت الطاقة والبنية التحتية للكهرباء والمياه التي تجنب البلدان استهدافها في السابق؟

فمن ناحية، قد يؤدي ضرب هذه المنشآت إلى إضعاف النظام، لكن من ناحية أخرى، سيؤدي إلى تفاقم معاناة الإيرانيين العاديين، ويزيد العداء تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، وربما يصب في مصلحة النظام نفسه.

ومن الواضح أيضًا أن استمرار النظام الحالي في الحكم يعني أن القصف الجوي لن يتمكن من منع إيران من إعادة بناء برنامجها لإنتاج الأسلحة النووية في نهاية المطاف، ربما خلال عام أو عامين، إلى جانب استئناف برامج تطوير وإنتاج آلاف الصواريخ الباليستية وعشرات الآلاف من الطائرات المسيّرة.

ويمكن للعمليات العسكرية تأخير هذه البرامج، لكنها لا تستطيع منعها إلى الأبد.

وتوجد مؤشرات على ذلك بالفعل، إذ تواصل إيران إنتاج صواريخ جديدة، وإن بأعداد محدودة، باستخدام المواد الخام التي لا تزال متاحة لديها.

وفي الوقت نفسه، لا يبدو أن صناع القرار في واشنطن وتل أبيب يعتزمون إرسال قوات برية قتالية لإسقاط النظام والاستيلاء على منشآته النووية ومرافق إنتاج الصواريخ.

الخيارات المتاحة 

حتى الآن، لا يملك البنتاجون والقيادة المركزية الأمريكية إجابة مرضية عن هذا السؤال.

وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن البنتاجون عرض على ترامب ومستشاريه خلال الأشهر الماضية خمس خطط لتنفيذ عمليات جوية محددة ضد إيران والحوثيين في اليمن.

وبحسب التقرير، تتضمن المقترحات عملية قصيرة لكنها مكثفة، تستمر ثلاثة أيام، وتُنفذ بالتعاون مع سلاح الجو الإسرائيلي، وتستهدف قدرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، ومنشآت الطاقة، ومقار الحرس الثوري ومراكز القيادة والسيطرة التابعة له.

وتدرك إسرائيل أن ترامب درس هذه الخطط بجدية، لأنه ناقشها مع نتنياهو، كما صدرت أوامر للجيش الإسرائيلي بالاستعداد لجولة جديدة من المواجهة مع إيران خلال أيام، وربما خلال ساعات.

لكن ترامب قرر في نهاية المطاف عدم التحرك.

وبحسب مصادر مطلعة، كان أحد الأسباب الرئيسية لذلك أن الخطط التي أُعدت في مقر القيادة المركزية الأمريكية بولاية فلوريدا ومقر قيادة الجيش الإسرائيلي في تل أبيب، المعروف باسم الكريا، لم تكن تضمن تحقيق نتائج مختلفة جوهريًا عن تلك التي تحققت خلال حملة الأسد الزائر السابقة.

وفي أوائل أكتوبر، اجتمع كبار مسؤولي البيت الأبيض، بقيادة فانس، في المنتجع الرئاسي كامب ديفيد لإعادة تقييم تلك الخطط.

وبحسب تقارير إعلامية أمريكية، لم يُبدِ المسؤولون حماسة كبيرة لشن ضربات جوية، إذ خلصوا إلى أنها لن تؤدي إلى إسقاط النظام أو تغيير مواقفه.

وربما استندوا أيضًا إلى تجربة القيادة المركزية الأمريكية مع حملتها الجوية التي فشلت في مارس 2025 في إجبار الحوثيين في اليمن على الخضوع.