خبير شؤون إيرانية: واشنطن تستهدف شرايين التمويل الإيراني لتقليص نفوذ طهران

خبير شؤون إيرانية: واشنطن تستهدف شرايين التمويل الإيراني لتقليص نفوذ طهران

خبير شؤون إيرانية: واشنطن تستهدف شرايين التمويل الإيراني لتقليص نفوذ طهران
الحرب علي إيران

تفتح العقوبات الأمريكية الجديدة على إيران جبهة أكثر تعقيدا في المواجهة بين واشنطن وطهران، بعدما امتدت الضغوط إلى شبكات التمويل الدولية والمؤسسات المصرفية والواجهات المالية، بالتوازي مع تشديد الرقابة على الأموال التي قد تمر عبر مؤسسات دينية وخيرية.

وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، في 15 أكتوبر 2026، إجراءات جديدة ضمن عملية «النبذ الاقتصادي»، استهدفت شبكات مالية مرتبطة بإيران، إلى جانب إصدار تحذيرات للمؤسسات المالية بشأن احتمال استغلال بعض المؤسسات الدينية والخيرية في تحويل الأموال إلى جهات مرتبطة بالنظام الإيراني.

وتضمنت التحركات الأمريكية تسليط الضوء على أموال الخُمس، التي تمثل موردا دينيا لدى قطاعات من المسلمين الشيعة، مع التحذير من احتمال استغلال بعض القنوات التي تجمعها في نقل الأموال إلى جهات مرتبطة بإيران أو أنشطتها الخارجية.

 

الخُمس في قلب المواجهة المالية

يمثل إدراج شبكات جمع الأموال الدينية ضمن دائرة التدقيق الأمريكية تطورا لافتا في أدوات الضغط على طهران، إذ تسعى واشنطن إلى تتبع مسارات التمويل التي قد لا تمر عبر القنوات المصرفية التقليدية، بما في ذلك التحويلات غير الرسمية والوسطاء الماليون.

وتكمن أهمية هذا المسار في أن المؤسسات الدينية والخيرية تعمل في بعض الأحيان عبر شبكات عابرة للحدود، وهو ما يجعل تحديد المستفيد النهائي من الأموال عملية تحتاج إلى تدقيق في الحسابات والتحويلات والعلاقات المؤسسية.

 

وتقول السلطات الأمريكية إن بعض الجهات قد تستغل الصفة الدينية أو الخيرية لتسهيل تحويل الأموال، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أهمية التمييز بين المؤسسات المشروعة وأي أنشطة يثبت ارتباطها بمخالفات مالية.

ومن ثم، فإن استهداف قنوات التمويل لا يعني تجريم أموال الخُمس في ذاتها، وإنما يركز على الاشتباه في استخدام بعض مساراتها لأغراض تخالف القوانين الأمريكية.

البنوك والواجهات المالية تحت الضغط

لم تتوقف التحركات الأمريكية عند المؤسسات الدينية، بل امتدت إلى البنوك والوسطاء وشبكات التمويل الموازي التي تتهمها واشنطن بمساعدة إيران على تجاوز العقوبات.

وتستهدف هذه الإجراءات تقليص قدرة طهران على الوصول إلى العملات الأجنبية، والحد من استخدام الشركات الوسيطة والكيانات المسجلة خارج إيران في تمرير المعاملات المالية.

وتشير وزارة الخزانة الأمريكية إلى أن شبكات التمويل المرتبطة بإيران تعتمد على شركات واجهة ومؤسسات مالية ووسطاء للصرف الأجنبي في مناطق مختلفة، بما يسمح بنقل الأموال وإخفاء المستفيدين النهائيين من بعض المعاملات.

وتسعى واشنطن من خلال توسيع نطاق العقوبات إلى رفع تكلفة التعامل مع هذه الشبكات، ودفع المؤسسات المالية إلى مراجعة علاقاتها التجارية وتشديد إجراءات التحقق من العملاء والتحويلات.

 

النفط والعملات الأجنبية.. الهدف الأهم

تظل عائدات النفط أحد الملفات الرئيسية في استراتيجية الضغط الأمريكية على إيران، بالنظر إلى أهميتها في توفير العملات الأجنبية وتمويل الإنفاق الحكومي والأنشطة الاقتصادية والخارجية.

 

وتراهن واشنطن على أن استهداف شبكات التمويل والتحويلات، بالتوازي مع العقوبات على قطاعات اقتصادية ومؤسسات محددة، سيزيد صعوبة تحصيل الإيرادات ونقلها واستخدامها عبر النظام المالي الدولي.

لكن فاعلية هذه السياسة تعتمد على قدرة السلطات الأمريكية على تتبع المعاملات العابرة للحدود، والتعاون مع الدول الأخرى، ومنع إعادة تشكيل الشبكات المستهدفة عبر شركات أو وسطاء جدد.

كما أن تشديد القيود قد يرفع تكاليف التجارة والتحويلات على الشركات الإيرانية، ويزيد صعوبة حصولها على الخدمات المصرفية والتأمين والشحن.

 

هل تنجح واشنطن في تجفيف منابع التمويل؟

تسعى الولايات المتحدة إلى تحويل العقوبات من مجرد إجراءات تستهدف كيانات محددة إلى منظومة رقابة تضيق الخناق على شبكات التمويل بأكملها، بما يشمل الوسطاء والمستفيدين النهائيين والقنوات غير الرسمية.

ومع ذلك، فإن نجاح هذه الاستراتيجية لا يتوقف على عدد العقوبات المعلنة، بل على قدرتها على تعطيل التدفقات المالية فعليا، وتقليص فرص الالتفاف على القيود، ومنع انتقال الأنشطة إلى قنوات بديلة.

وتواجه واشنطن تحديًا يتمثل في تحقيق أهدافها المالية والأمنية، مع تجنب التوسع غير المبرر في الاشتباه بالمؤسسات الدينية والخيرية التي تمارس أنشطة مشروعة.

 

وبين تشديد الرقابة ومحاولات إيران إيجاد مسارات بديلة، تتجه المواجهة الاقتصادية إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها حركة الأموال مع الحسابات السياسية والأمنية في المنطقة.

وقال الدكتور محمد ربيع الديهي، خبير الشؤون الإيرانية، إن تشديد العقوبات الأمريكية على إيران واستهداف شبكات التمويل والمؤسسات المالية يعكسان توجها نحو تضييق الخناق على الموارد التي تعتمد عليها طهران في إدارة علاقاتها الاقتصادية والخارجية، مشيرًا إلى أن المعركة لم تعد مقتصرة على صادرات النفط، بل امتدت إلى القنوات التي تسمح بتحويل الأموال والوصول إلى العملات الأجنبية

 

وأضاف أن التركيز على الوسطاء الماليين والشركات التي يشتبه في استخدامها للالتفاف على العقوبات يمثل أحد أهم جوانب التحرك الأمريكي، لأن هذه الشبكات توفر مسارات بديلة للمعاملات التي يصعب تنفيذها عبر المؤسسات المصرفية التقليدية

 

وأوضح لـ"العرب مباشر"أن استهداف شبكات التمويل يتجاوز أثره الكيانات المدرجة على قوائم العقوبات، إذ قد يدفع مؤسسات مالية أخرى إلى إعادة تقييم علاقاتها التجارية مع الأطراف المرتبطة بإيران، خوفا من التعرض لإجراءات أمريكية.

أموال الخُمس تفتح جبهة جديدة

وأشار إلى أن تسليط الضوء الأمريكي على الأموال التي تجمعها بعض المؤسسات الدينية والخيرية يعكس اتجاها نحو توسيع نطاق الرقابة على مصادر التمويل المحتملة، خاصة عندما تتحرك الأموال عبر قنوات غير رسمية أو مؤسسات متعددة في أكثر من دولة.

ولفت إلى أهمية التمييز بين الممارسات الدينية المشروعة وأي مخالفات مالية محتملة، مؤكدًا أن تقييم هذه المسارات يجب أن يستند إلى طبيعة التحويلات والجهات المستفيدة والأدلة المتاحة.

ضغوط متزايدة على الاقتصاد الإيراني

وأضاف أن تشديد الرقابة على التحويلات والوصول إلى العملات الأجنبية قد يزيد تكلفة المعاملات على الشركات الإيرانية، ويحد من قدرتها على الاستفادة من بعض القنوات المالية الدولية

 

وأشار إلى أن التأثير الفعلي للعقوبات يرتبط بمدى استمرار تنفيذها، وقدرة الولايات المتحدة على التنسيق مع شركائها، ومنع استخدام شركات واجهة جديدة لاستعادة التدفقات المالية.

 

وأكد أن إيران قد تسعى إلى التكيف مع الضغوط من خلال تنويع الوسطاء والقنوات التجارية، وهو ما يجعل المواجهة المالية عملية مستمرة وليست إجراء مؤقتا.

السيناريوهات المقبلة

وأوضح أن المرحلة المقبلة ستتوقف على مدى قدرة واشنطن على تحويل العقوبات إلى قيود فعلية على حركة الأموال، وعلى رد الفعل الإيراني تجاه الضغوط الجديدة.

 

وأشار إلى أن تشديد العقوبات قد يزيد الضغوط على الاقتصاد الإيراني، لكنه لا يعني بالضرورة تحقيق جميع الأهداف الأمريكية، في ظل قدرة الدول المستهدفة على البحث عن بدائل وتطوير أساليب جديدة للتعامل مع القيود.

 

واختتم بأن متابعة التدفقات المالية والنتائج الفعلية للعقوبات تظل المعيار الأساسي لتقييم مدى نجاح الاستراتيجية الأمريكية في تقليص الموارد المتاحة لطهران.