غريغوري بوفينو.. حين يتحوّل رجل الحدود إلى أيقونة سياسية
غريغوري بوفينو.. حين يتحوّل رجل الحدود إلى أيقونة سياسية
في زمنٍ تتكثّف فيه السياسة داخل الأجساد والوجوه، خرج غريغوري بوفينو من الظل. لم يعد ضابطًا خلف خوذة أو اسمًا في بيان رسمي، بل صار صورةً مكتملة لسياسة كاملة: سياسة دونالد ترامب في “استعادة الحدود” مهما كان الثمن.
ببدلته العسكرية وقصّة شعره الحادّة، يقف بوفينو في مقدّمة المشهد، لا يختبئ خلف أقنعة رجال “ICE”، بل يواجه الكاميرات كما لو كان يخوض معركة رمزية قبل أن تكون أمنية. بالنسبة لأنصاره هو القائد الصلب في زمن الفوضى، وبالنسبة لخصومه تجسيدٌ حيّ لدولة تُدار بالقوة وتُعرَّف بالخوف. بين هاتين الصورتين، يتشكّل بروفايل رجل لم يعد مجرد مسؤول أمني، بل شخصية سياسية بامتياز.
من الهجرة إلى الحراسة.. التكوين الأول
ينحدر غريغوري بوفينو من عائلة مهاجرة، جذورها ممتدّة إلى إقليم كالابريا الإيطالي. أجداده وصلوا إلى بنسلفانيا عام 1909، ثم حصلوا على الجنسية الأميركية بعد قرابة عقدين. في هذا التفصيل تكمن مفارقة أساسية: رجل جعل من المهاجرين خصمه الأول، هو نفسه ثمرة رحلة هجرة قديمة.
غير أن بوفينو لا يرى في هذه المفارقة تناقضًا، بل يقدّمها بوصفها “دليلًا” على أن الطريق إلى أميركا يجب أن يكون منضبطًا وخاضعًا للقانون.
نشأ في كارولاينا الشمالية، وفي طفولته تفتّحت مخيلته على صورة رجل الحدود من خلال فيلم “The Border” عام 1982. كانت تلك اللحظة المبكرة بذرة حلم مهني سيلازمه لاحقًا. بعد تخرّجه من الثانوية عام 1988، التحق بجامعة ويسترن كارولاينا، قبل أن ينضم رسميًا إلى شرطة الحدود الأميركية عام 1996. لم يكن دخوله الجهاز الأمني محض صدفة، بل اختيارًا واعيًا لهوية كاملة: الحارس على تخوم الدولة.
على امتداد سنوات عمله الأولى، تدرّج بوفينو في مواقع مختلفة، خصوصًا في كاليفورنيا، حيث تشكّل وعيه المهني في تماس مباشر مع واحدة من أكثر مناطق البلاد تعقيدًا في ملف الهجرة.
هناك تعلّم أن الحدود ليست خطًا جغرافيًا فقط، بل ساحة صراع اجتماعي وسياسي. ومن هناك أيضًا بدأ يتبلور أسلوبه الصارم، الذي سيصبح لاحقًا علامته الشخصية.
رجل ترامب في المدن "المتمرّدة"
مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، لم تعد سياسة الهجرة ملفًا إداريًا، بل مشروعًا سياسيًا مركزيًا، في هذا السياق، صعد بوفينو إلى الواجهة بوصفه الذراع التنفيذية الأكثر وضوحًا لهذه الرؤية، تدخّل في مدن يقودها ديمقراطيون يرفضون التعاون مع برامج الترحيل الجماعي، ووجد نفسه في مواجهة مباشرة مع سلطات محلية ترى في سياساته اعتداءً على نسيجها الاجتماعي.
صيف العام الماضي في كاليفورنيا، قاد مداهمات علنية لتوقيف مهاجرين يُشتبه في إقامتهم غير القانونية، لم يتردّد في استخدام القوة في أماكن عامة: أمام المتاجر، وفي الحدائق، وحتى عبر استعراضات رمزية مثل تسيير دوريات على ظهور الخيل في متنزّه "ماك آرثر" في لوس أنجلوس. كانت الرسالة واضحة: الدولة هنا، والحدود ليست بعيدة.
بلغ حضوره ذروته في شيكاغو ومنطقة الغرب الأوسط، حين قاد عملية “ميدواي بليتز”، التي أسفرت عن توقيف أكثر من 4500 مهاجر، السلطات وصفت المعتقلين بأنهم "أسوأ الأسوأ"، لكن تحقيقات صحفية أظهرت أن نسبة ضئيلة فقط منهم كانت مدانة بجرائم عنف.
هذا التباين بين الخطاب والوقائع غذّى الانتقادات التي ترى في بوفينو رجل استعراض أكثر منه رجل عدالة.
بالتوازي، صنع بوفينو لنفسه حضورًا رقميًا غير مسبوق لمسؤول أمني من هذا النوع. على "إنستغرام" يتابعه عشرات الآلاف، وينشر صورًا ومقاطع يظهر فيها كقائد ميداني، محاطًا برجاله أو واقفًا فوق سيارات الدوريات. بالنسبة لمؤيديه، هذه شفافية وشجاعة. وبالنسبة لخصومه، دعاية أمنية تُحوّل الاعتقال إلى مشهد بطولي.
بين القانون والصدمة.. الجدل والمستقبل
لم يكن صعود بوفينو بلا أثمان. في أكتوبر الماضي، تصدّر اسمه عناوين الأخبار بعد أن أصدرت قاضية في شيكاغو أمرًا يُلزمه بتقديم إحاطة يومية، على خلفية استخدام الغاز المسيل للدموع ضد متظاهرين.
اعترف أمام المحكمة بأنه أطلق الغاز دون تحذير مسبق، رغم وجود أمر قضائي يقيّد استخدام القوة. الواقعة تحوّلت إلى رمز للنهج الذي يُنسب إليه: تجاوز الحواف القانونية باسم "الضرورة الأمنية".
منتقدوه يتهمونه باستخدام القوة المفرطة، وبتوقيف أشخاص بلا سجل جنائي، بل وحتى مواطنين أميركيين. بالنسبة لهم، بوفينو ليس مجرد ضابط متشدّد، بل عنوان لتحوّل أعمق في علاقة الدولة بمواطنيها وبالمقيمين على أراضيها.
ومع ذلك، فإن هذه الانتقادات لم تُضعف موقعه داخل إدارة ترامب. على العكس، نال إشادات علنية من وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم، التي وصفته بـ“القائد الأعلى” لشرطة الحدود.

العرب مباشر
الكلمات