اقتصاد إيران يترنح.. العقوبات الأمريكية تضاعف أوجاع التضخم والفقر

اقتصاد إيران يترنح.. العقوبات الأمريكية تضاعف أوجاع التضخم والفقر

اقتصاد إيران يترنح.. العقوبات الأمريكية تضاعف أوجاع التضخم والفقر
ايران

تواجه إيران أزمة اقتصادية متفاقمة تتزامن مع إطلاق الولايات المتحدة حملة جديدة من العقوبات تحت اسم عملية المنبوذ الاقتصادي، في وقت يعاني فيه الإيرانيون ارتفاعًا حادًا في أسعار المواد الغذائية، ونقصًا في الوقود، وتراجعًا متواصلًا في قيمة العملة المحلية، وسط ضغوط متزايدة على الحكومة لمنع تحول التدهور الاقتصادي إلى اضطرابات اجتماعية.

وبحسب صحيفة "الغارديان" البريطانية، تبدو العقوبات الأمريكية الجديدة بالنسبة إلى كثير من الإيرانيين إجراءً إضافيًا في ظل أوضاع اقتصادية شديدة الصعوبة أصلًا، إذ أصبحت تداعيات الأزمة ملموسة في تفاصيل الحياة اليومية، من تقلص القدرة على شراء الغذاء إلى صعوبة الحصول على الأدوية والوقود.

ارتفاع قياسي في أسعار الغذاء

تشهد أسعار المواد الغذائية في إيران قفزات حادة، إذ ارتفع سعر زيت الطعام في أغسطس بنسبة 383% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

كما ارتفعت أسعار البيض بنسبة 294%، والدجاج بنسبة 177%، واللحوم الحمراء بنسبة 148%، في مؤشرات تعكس حجم الضغوط التي تواجه الأسر الإيرانية.

ويؤدي انهيار القوة الشرائية إلى اضطرار الأسر إلى تقليص مشترياتها من السلع، فيما تتغير الأنماط الغذائية وتتراجع جودة الطعام، بينما أصبح إصلاح الملابس وإعادة استخدامها بديلًا عن شراء ملابس جديدة.

وفي الوقت نفسه، تعاني الأسواق نقصًا في بعض الأدوية، رغم إمكانية العثور على بعضها عبر السوق غير الرسمية.

وتشير وكالة مهر الإيرانية إلى أن الطلب على اللحوم الحمراء انخفض بنسبة 50% في أبريل 2026 مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، في حين ارتفع استهلاك البطاطس بصورة كبيرة؛ ما أدى بدوره إلى ظهور حالات نقص في الأسواق.

وقال الناشط الإيراني محسن زوار، وهو مهندس في مجال الهندسة الطبية الحيوية: إن جزءًا من السكان لم يعد يفكر في شراء منزل أو سيارة، بل أصبح التركيز منصبًا على الاستغناء عن اللحوم، وخفض جودة الغذاء، وتأجيل العلاج الطبي، ومحاولة تدبير الاحتياجات الأساسية حتى نهاية الشهر.

وأضاف: أن الإيرانيين لا يبحثون عن حلول استثنائية، وإنما يريدون من المسؤولين اتخاذ قرارات لمعالجة الأزمة.

الريال الإيراني يواصل الانهيار

تزامن ارتفاع الأسعار مع تراجع حاد في قيمة الريال الإيراني، في ظل شح احتياطيات النقد الأجنبي.

وفي 23 أغسطس، تجاوز سعر الدولار الأمريكي نحو مليوني ريال في السوق الإيرانية المفتوحة، مسجلًا مستوى قياسيًا جديدًا.

وبعد ثلاثة أيام، أعلن مركز الإحصاء الإيراني أن معدل التضخم السنوي في أغسطس وصل إلى 84.4%، فيما بلغ متوسط معدل التضخم السنوي المتحرك نحو 65%.

ويضع هذا الانهيار الاقتصادي الطبقة السياسية الإيرانية أمام ضغوط متزايدة، مع تنامي المخاوف من أن يؤدي استمرار تدهور الظروف المعيشية إلى اضطرابات اجتماعية يصعب احتواؤها.

أزمة الوقود تمتد إلى شوارع طهران

لم تعد تداعيات الأزمة الاقتصادية مقتصرة على الغذاء والملابس والدواء، إذ شهدت العاصمة طهران ومدينة مشهد شمال شرقي إيران طوابير طويلة من السيارات أمام محطات الوقود خلال يومي الثلاثاء والأربعاء.

وامتدت بعض الطوابير لمسافات طويلة، فيما تسببت في إغلاق شوارع بأكملها، وسط إغلاق عدد من محطات الوقود، من بينها محطات كبيرة.

وأرجع مسؤولون إيرانيون الأزمة إلى عمليات شراء بدافع الهلع نتيجة شائعات عن اعتزام الحكومة رفع أسعار الوقود، أو إلى أضرار لحقت بمستودعات النفط الرئيسية في طهران جراء غارات إسرائيلية.

وتأتي أزمة الوقود في وقت تجري فيه داخل الحكومة الإيرانية منذ أسابيع مناقشات بشأن رفع أسعار الوقود بهدف تقليص تكلفة الدعم الحكومي المرتفع.

لكن اتخاذ مثل هذا القرار يظل محفوفًا بمخاطر سياسية كبيرة، في ضوء تجربة سابقة عندما أدى رفع أسعار البنزين بنسبة 50% بصورة مفاجئة في نوفمبر 2019 إلى اندلاع احتجاجات عنيفة استمرت أسبوعًا.

اتهامات بعرقلة مواجهة تهريب الوقود

ازدادت حالة الغضب الشعبي بعد اعتراف مسؤول إيراني بوجود مصالح نافذة داخل الحكومة تعرقل جهود مكافحة تهريب الوقود.

وقال صقاب أصفهاني، نائب الرئيس الإيراني: إن كلا الفصيلين السياسيين في البلاد متورطان في تهريب الوقود، مضيفًا أنه إذا حاول إيقاف عملياتهم فسيتعرض لضغوط شديدة.

ودفعت هذه التصريحات إلى دعوات للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان للتحقيق في ملابساتها.

تراجع الشفافية بشأن الفقر

ومع تزايد الضغوط الاقتصادية، يبدو أن مستوى الشفافية بشأن الأوضاع المعيشية في إيران يتجه إلى التراجع.

وقالت فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، مؤخرًا: إن إحصاءات الفقر المستقبلية لن تُنشر إلا بعد الحصول على موافقة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.

ويثير هذا القرار مخاوف بشأن إمكانية تحول البيانات المتعلقة بمستويات الفقر وتدهور المعيشة إلى معلومات تخضع لقيود أمنية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى بيانات دقيقة لقياس حجم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.

السلطات تستنفر الخطاب الوطني

وفي مواجهة الأزمة، تسعى القيادة الإيرانية إلى تقديم الوضع الاقتصادي باعتباره جزءًا من الحرب المستمرة مع الولايات المتحدة، داعية المواطنين إلى تحمل تداعيات الأزمة تحت شعار الصمود الوطني.

وفي هذا السياق، ألقى حجة الإسلام طائب، الرئيس الجديد لقوات الباسيج شبه العسكرية والحليف المقرب من مجتبى خامنئي، المرشد الإيراني، خطابًا دعا فيه إلى مقاومة تداعيات العقوبات الأمريكية والضغوط الاقتصادية.

وقال: إن خفض استهلاك الوقود بنسبة تصل إلى 10% أصبح ضروريًا لتقليل الحاجة إلى الواردات المكلفة، في إشارة إلى أن الحد من التنقل غير الضروري يمكن أن يُقدم باعتباره مساهمة وطنية في مواجهة الضغوط الخارجية.

لكن هذه الدعوات الوطنية تبدو، بحسب التقرير، أكثر ارتباطًا باليأس مع تفاقم الأزمة الاقتصادية وتراجع قدرة الحكومة على توفير الاحتياجات الأساسية.

دعوات لإنتاج السلع داخل المنازل

وفي محاولة أخرى للتعامل مع الأزمة، دعا محسن رضائي، الأمين الجديد للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني والأكثر تشددًا في مواقفه، الشباب إلى البدء في إنتاج السلع التي يحتاجون إليها وتحتاج إليها البلاد داخل منازلهم.

ورأى محمد طاهري، رئيس تحرير مجلة تجارة فردا الاقتصادية، أن هذه الدعوة تذكره بسياسة الأفران الفولاذية المنزلية التي شجع عليها الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ خلال القفزة الكبرى إلى الأمام، وهي السياسة التي انتهت بنتائج كارثية.

أزمة النفط تضرب قلب الاقتصاد الإيراني

يرى خبراء اقتصاديون وقطاع الطاقة، أن المشكلة الأعمق التي تواجه إيران تتمثل في قدرتها على تصدير النفط وتحويله إلى إيرادات، في ظل العقوبات والقيود الأمريكية المفروضة على تجارتها النفطية.

وقال أمير حسين هاشمي جاويد، خبير الطاقة: إن الأزمة الاقتصادية الحقيقية لإيران تتمثل في عدم قدرتها على تصدير النفط بسبب الحصار الأمريكي، مشيرًا إلى أن قنوات بيع النفط الإيراني آخذة في الانحسار.

وأوضح، أن النفط الذي لا يصل إلى المشترين لا يوفر إيرادات للاقتصاد الإيراني، بل يتحول إلى عبء متزايد بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج والتخزين والمخاطر المرتبطة به يومًا بعد آخر.

وتشكل عائدات النفط مصدرًا أساسيًا للاقتصاد الإيراني، وبالتالي فإن استمرار القيود على صادرات الخام يضغط بصورة مباشرة على قدرة الحكومة على تمويل الواردات ودعم العملة المحلية وتوفير السلع الأساسية.

العقوبات الأمريكية تزيد الضغوط على طهران

تأتي هذه التطورات بالتزامن مع حملة العقوبات الأمريكية الجديدة التي تستهدف زيادة الضغط الاقتصادي على إيران، ما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر صعوبة بالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني.

وتواجه طهران في الوقت نفسه تحديات متعددة تشمل التضخم المرتفع، وانهيار القوة الشرائية، وتراجع قيمة العملة، ونقص الوقود والأدوية، وتراجع صادرات النفط، إضافة إلى صعوبة الحصول على العملات الأجنبية.

ويضع تداخل هذه العوامل الحكومة الإيرانية أمام خيارات محدودة، خصوصًا مع تزايد المخاوف من انتقال الأزمة الاقتصادية إلى المجال الاجتماعي والسياسي.

الدبلوماسية أمام اختبار حاسم

مع استمرار الأزمة، تبرز أمام الحكومة الإيرانية مسألة أساسية تتعلق بجدوى مواصلة المواجهة مع الولايات المتحدة مقابل البحث عن مسار دبلوماسي قد يتيح تخفيف الضغوط الاقتصادية.

ويرى التقرير، أن السلطات الإيرانية ستواجه في مرحلة ما قرارًا بشأن ما إذا كانت الدبلوماسية يمكن أن تحقق مكاسب أكبر من استمرار المواجهة.

وبعد ستة أشهر فقط من اندلاع الحرب، وفي أعقاب وعود أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمتظاهرين الإيرانيين في يناير بأن المساعدة في طريقها إليهم، يجد الإيرانيون أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة، في ظل العقوبات الجديدة وتفاقم أزمة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.