«FBI بريطاني»لمكافحة الإرهاب.. لندن تطلق أكبر إصلاح أمني في تاريخ الشرطة
«FBI بريطاني»لمكافحة الإرهاب.. لندن تطلق أكبر إصلاح أمني في تاريخ الشرطة
لم تعد الخريطة الأمنية في بريطانيا، كما تقول الحكومة، قادرة على مواكبة تعقيدات الجريمة الحديثة ولا طبيعة التهديدات العابرة للحدود. بين تصاعد الإرهاب، وتنامي شبكات الجريمة المنظمة، وانتشار ما تصفه السلطات بـ«وباء الجرائم اليومية» من سرقات وسلوكيات معادية للمجتمع، تجد لندن نفسها أمام نموذج شرطي وُلد في قرن آخر ولم يعد صالحًا لقرن تتشابك فيه المخاطر وتتعقد أدوات المجرمين، من هنا، تطرح الحكومة البريطانية واحدة من أجرأ خططها الأمنية منذ نحو قرنين، إنشاء جهاز شرطة وطني جديد، يوصف صراحة بأنه «مكتب تحقيقات فيدرالي بريطاني»، في محاولة لإعادة ضبط بوصلة إنفاذ القانون خطوة تُعد، وفق التوصيف الرسمي، الأكبر منذ تأسيس الشرطة الحديثة عام 1829، لكنها في الوقت ذاته تفتح بابًا واسعًا للجدل حول مركزية السلطة الأمنية، ومستقبل الشرطة المحلية، وحدود التوازن بين الكفاءة والرقابة الديمقراطية.
مكتب التحقيقات الفيدرالي البريطاني
أعلنت الحكومة البريطانية عزمها إطلاق جهاز شرطة وطني جديد يحمل تسمية غير رسمية لكنها لافتة «مكتب التحقيقات الفيدرالي البريطاني» (British FBI)، في إشارة واضحة إلى نموذج الـFBI الأميركي.
الهدف المعلن هو تحديث منظومة إنفاذ القانون، وتعزيز القدرة على مواجهة الإرهاب والاحتيال والجريمة المنظمة، إلى جانب الجرائم المعقدة التي تتجاوز حدود المقاطعات والمدن.
الهيئة الجديدة ستقوم على دمج أدوار قائمة بالفعل، في مقدمتها الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة (NCA)، المعنية بملفات ثقيلة مثل تهريب المخدرات، الاتجار بالبشر، وغسل الأموال، مع مهام وطنية أخرى تشمل مكافحة الإرهاب، وبعض أدوار الرقابة على الطرق والبنية التحتية الحيوية.
وبموجب هذا الترتيب، سيصبح رئيس الجهاز الجديد، الذي سيحمل مسمى «المفوض الوطني لمكافحة الجريمة»، أعلى سلطة شرطية في البلاد، متقدمًا على قائد شرطة العاصمة لندن، الذي يحتل هذا الموقع فعليًا في النظام الحالي.
وتأتي هذه الخطوة ضمن حزمة إصلاحات شاملة تعتزم الحكومة الكشف عن تفاصيلها، وتصفها بأنها أكبر عملية إعادة هيكلة للشرطة منذ أن وضع روبرت بيل أسس الشرطة المهنية في القرن التاسع عشر. وزيرة الداخلية البريطانية، شابانا محمود، لم تُخفِ طموح المشروع، معتبرة أن «نموذج الشرطة الحالي تأسس لزمن مختلف»، وأن التحديات الراهنة تتطلب جهازًا وطنيًا يمتلك «كفاءات من الطراز العالمي وتقنيات متطورة لتعقب واعتقال أخطر المجرمين».
مكافحة الإرهاب
حاليًا، تعمل في إنجلترا وويلز 43 قوة شرطة محلية، بعضها يحمل أدوارًا وطنية إضافية، مثل شرطة لندن المسؤولة عن مكافحة الإرهاب. لكن الحكومة ترى أن هذا التشتت التنظيمي أرهق المنظومة وأضعف فعاليتها، خصوصًا في ظل تحميل القوات المحلية أعباء جرائم كبرى ومعقدة دون تدريب أو موارد كافية، ما انعكس سلبًا على قدرتها في التعامل مع الجرائم اليومية التي تمس حياة المواطنين مباشرة.
وبحسب الخطة المطروحة، ستُمنح القوات المحلية مساحة أوسع للتركيز على هذه الجرائم، من سرقات المتاجر والهواتف إلى السلوكيات المعادية للمجتمع، فيما يتولى الجهاز الوطني الجديد ملاحقة الشبكات الإجرامية الكبرى، سواء داخل البلاد أو عبر الحدود. وترى وزارة الداخلية أن هذا الفصل الوظيفي سيعيد الثقة بين الشرطة والمجتمعات المحلية، بعد سنوات من الشكاوى حول الإفلات من العقاب في الجرائم الصغيرة والمتوسطة.
ضمن الإصلاحات المرتقبة أيضًا، تقليص عدد قوات الشرطة في إنجلترا وويلز «بشكل كبير» من 43 إلى 12 قوة إقليمية ضخمة، في خطوة تبررها الحكومة بالرغبة في رفع الكفاءة وليس خفض التكاليف، رغم توقعات بأن يسهم الدمج في تقليل النفقات على المدى الطويل.
كذلك، سيُلزم كل ضابط شرطة بالحصول على ترخيص لمزاولة المهنة، في محاولة لرفع المعايير المهنية وتعزيز المساءلة، مع منح الوزراء صلاحيات أوسع للتدخل عندما يُعتبر قادة الشرطة أو الإطفاء مقصرين في أداء مهامهم.
الوزيرة محمود شددت، في مقابلات إعلامية، على أن الهدف «ليس الادخار»، بل «تصميم نموذج جديد للشرطة» قادر على التعامل مع كامل طيف الجرائم، من السرقات اليومية إلى أخطر التهديدات الأمنية.
وأشارت إلى ما وصفته بـ«وباء الجرائم اليومية» التي تمر في كثير من الأحيان دون عقاب، معتبرة أن هذا الوضع يقوض ثقة الجمهور في مؤسسات إنفاذ القانون.
تحذيرات داخلية
مع ذلك، لا تخلو الخطة من معارضة وتحفظات، فداخل الأوساط السياسية، حذر وزير الداخلية في حكومة الظل، كريس فيلب، من أن تؤدي هذه التغييرات إلى إضعاف الشرطة المجتمعية، معتبرًا أن «إعادة التنظيم من أعلى إلى أسفل» قد تقوض الجهود الميدانية بدل تعزيزها، دون أن تحقق تحسنًا ملموسًا على أرض الواقع.
كما أن وصف الجهاز الجديد بـ«FBI بريطانيا» ليس سابقة في حد ذاته. ففي عام 2006، أُطلقت التسمية ذاتها على وكالة مكافحة الجرائم الخطيرة والمنظمة (SOCA)، قبل أن تُستبدل لاحقًا بالوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة، التي حُمّلت اللقب نفسه مرة أخرى. هذا التاريخ يثير تساؤلات حول ما إذا كانت التسمية الجديدة تعكس تحولًا حقيقيًا في الأداء أم مجرد إعادة تغليف سياسي لإصلاحات جزئية.
في المحصلة، تقف بريطانيا أمام مفترق طرق أمني. فإما أن تنجح هذه الهندسة الجديدة في بناء جهاز وطني قوي يعيد الانضباط والفعالية لمنظومة الشرطة، أو أن تتحول إلى تجربة مثيرة للجدل تُتهم بتغليب المركزية على حساب القرب من المجتمع. ما هو مؤكد أن الرهان كبير، وأن نتائج هذه الخطوة ستشكل ملامح الأمن البريطاني لعقود مقبلة.

العرب مباشر
الكلمات