"من هو تشانغ يو شيا؟".. جنرال هزّ سقوطه قمة الجيش الصيني
"من هو تشانغ يو شيا؟".. جنرال هزّ سقوطه قمة الجيش الصيني
في الصين، لا تسقط الشخصيات الكبرى فجأة، بل تُمحى بهدوء مدروس، هكذا بدا المشهد مع تشانغ يو شيا، الرجل الذي شغل الموقع العسكري الأرفع بعد الرئيس شي جين بينغ، قبل أن يتحول اسمه إلى عنوان لأعمق تصدع داخل المؤسسة العسكرية الصينية منذ عقود، جنرال نشأ في رحم الثورة، وحمل إرث أمراء الحزب، وصعد باعتباره الضامن العسكري لمشروع شي، لكنه انتهى موضوعًا لتحقيقات قاسية تتحدث عن فساد وخلل في الولاء، قصة تشانغ ليست مجرد سقوط فرد، بل مرآة لمرحلة تعيد فيها بكين صياغة علاقتها بجيشها، وبمفهوم الثقة ذاته داخل السلطة.
من رحم الثورة إلى قلب المؤسسة
ولد تشانغ يو شيا داخل نواة النظام الصيني الصلبة، فهو نجل الجنرال الثوري تشانغ تسونغشون، أحد قادة الجيش الأحمر، ما جعله جزءًا من طبقة أمراء الحزب، التي نشأت وهي ترى الدولة من الداخل لا من الهامش، هذه الخلفية لم تكن مجرد امتياز اجتماعي، بل كانت بطاقة عبور مبكرة إلى المؤسسة العسكرية، حيث اختلط الإرث العائلي بالمسار المهني.
نشأ تشانغ في بيئة تعتبر الجيش امتدادًا للحزب، والولاء فيه قيمة وجودية لا خيارًا سياسيًا، شارك لاحقًا في الحرب الصينية–الفيتنامية أواخر السبعينيات، وهي تجربة صاغت رؤيته العسكرية بحذر ميداني واضح، وكرّست لديه نفورًا من المغامرات غير المحسوبة.
ومع مرور العقود، تدرّج بثبات داخل هرم الجيش، مستفيدًا من مزيج نادر، نسب ثوري، خبرة قتالية، وقدرة على التكيف مع تحولات القيادة.
العلاقة مع شي جين بينغ بدت، في هذا السياق، شبه قدرية، فالرجلان ينحدران من المقاطعة ذاتها، وكان والداهما من الدائرة الثورية نفسها، هذه الروابط جعلت تشانغ يُنظر إليه طويلًا بوصفه “الرجل الموثوق”، القادر على ترجمة رؤية شي لإعادة بناء جيش قوي، منضبط، وخاضع بالكامل للحزب.
الصعود.. ثم لحظة الانعطاف
بلغ تشانغ ذروة نفوذه حين عُيّن نائبًا لرئيس اللجنة العسكرية المركزية، الهيئة الأعلى المشرفة على القوات المسلحة، في هذا الموقع، أصبح فعليًا الرجل الثاني في الجيش، وشريكًا في صياغة سياسات التسليح، وإعادة الهيكلة، والتحديث العسكري الواسع الذي أطلقه شي.
لكن هذا الصعود تزامن مع أوسع حملة تطهير تشهدها المؤسسة العسكرية الصينية منذ عقود، حملة رفعت شعار مكافحة الفساد، لكنها في جوهرها أعادت تعريف مفهوم الولاء ومع توسع التحقيقات، لم يعد القرب من الرئيس ضمانة، بل صار عبئًا إضافيًا يضاعف الشبهات.
التحقيق مع تشانغ، ثم إقصاؤه، كشف عن تحوّل عميق في حسابات شي، فالرئيس الذي أبقاه في منصبه بعد سن التقاعد المعتاد، بدا وكأنه وصل إلى قناعة مفادها أن المشكلات داخل الجيش بنيوية، لا تُحل عبر الوجوه المألوفة، ومع إقصاء معظم القادة الذين عيّنهم شي نفسه في اللجنة العسكرية عام 2022، أصبح التطهير أشبه بإعادة ضبط شاملة، لا استثناء فيها لأحد.
النفوذ والجدل
أثار سقوط تشانغ عاصفة من التكهنات. شائعات عن انقلاب، تسريبات عن خلافات داخلية، وحديث عن تباينات في مقاربة ملف تايوان. فبينما يميل تيار داخل القيادة إلى خطاب أكثر تشددًا، عُرف تشانغ بحساباته الباردة، المتأثرة بتجربته القتالية، والتي ترى أن الحرب الشاملة ليست قرارًا يُتخذ بدافع القومية وحدها.
هذا السقوط أعاد إلى الذاكرة الصينية شبح لين بياو، وزير الدفاع ووريث ماو المفترض، الذي انتهى فجأة عام 1971 في واحدة من أكثر القضايا غموضًا في تاريخ الحزب.
المقارنة لا تعني تطابق المصير، لكنها تكشف حساسية موقع “الرجل الثاني” في الصين، حيث يتحول القرب من القمة أحيانًا إلى أخطر المواقع.
اليوم، لم يعد تشانغ يو شيا مجرد جنرال مقال، بل رمز لمرحلة تتآكل فيها شبكات الثقة القديمة داخل الجيش، لصالح نموذج أكثر قسوة في الضبط والسيطرة.
والسؤال المفتوح الذي يفرض نفسه، هل كان تشانغ ضحية حملة لا ترحم، أم تعبيرًا عن قناعة راسخة لدى شي بأن إعادة بناء الجيش تمرّ حتمًا عبر تكسير أقرب الدوائر، في الصين، غالبًا ما يكون الجواب مزيجًا من الاثنين.

العرب مباشر
الكلمات